ترميم الأرواح وصناعة الأمل : دور الأم في حماية التوازن النفسي لأطفال الطوفان
في أيام الحصار المظلمة، حين كانت قوات الجيش تملأ الأماكن حولنا، والقصف يتناثر في الطوابق التي تعلونا، كان أطفالي يعيشون أقسى لحظاتهم؛ الخوف، الجوع، العطش، الظلام، والمجهول، لكنني كنت أقنعهم أن اختباءنا في هذه الشقة هو أفضل خيارات السلامة الحالية، رغم أنه كان علينا ألا نحدث صوتاً أو نشعل ضوءاً، للحفاظ عليها..
وأخيراً، حين لم يعد بالإمكان البقاء أكثر، وتساوى الموت داخل الجدران المتهاوية بالتدريج، مع الموت ركضاً في طرقات النجاة، قررنا الخروج في محاولة يائسة، أمسكت بيدي صغيري كل واحد منهما في جهة، وتمسكت ابنتي الكبرى بيد والدها، الذي قال امشوا مسرعين ولا تنظروا للوراء، وفي هرولة الخوف، لم يكن يسمع سوى صوت الرصاص وصرير مدافع الدبابات التي تصوب نحونا، كنت أركض بطفلي بعينين نصف مغمضتين، ولسان لا يتوقف عن الذكر والتسبيح والدعاء، حين قالت صغيرتي وسط هذا الذعر: “ماما احنا مستحيل نعيش في هاي الحرب”!، عندها أدركت أنه سيكون علينا فعل الكثير كي نعيش، في حال قُدّر لنا أن نعيش.
في أيام الذعر الأولى، لم يتوقع أحد أن ينجو، لكن كانت الأمهات تحاول أن تحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه من سلامة أطفالهن النفسية والعقلية، صحيح أن هذه الفكرة لم تكن في البداية ذات أولوية وحضور، إلا أنها كانت تقوى وتتأكد كلما طال وقت النجاة، وصار كوننا أحياء أمراً واقعاً، وانتظار الموت الحتمي ليس حتمياً، وفي ظل الحرب الضارية في الخارج، خضنا حرباً أخرى أكثر ضراوة في دواخلنا ودواخل أبنائنا.
بدأت اختلالات الصغار الأولى بالخوف غير المسيطر عليه، من شدة القصف وقربه، لكن كنا نبتكر وسائل لجعلهم ينسونه أو يتأقلمون معه؛ التجمع معاً في مكان واحد، الحديث عن كل شيء مبهج، تناول أشياء مسلية، الذكر وقراءة القرآن، لعب بعض الألعاب الجماعية، والأهم من كل هذا ابتلاع خوفنا ورسم ملامح الطمأنينة أمامهم، لكي لا ينهاروا، ونحاول تخليصهم من سجن الذعر: ذعر الصوت المفزع، ذعر المناظر المتكررة للموت والدماء، وذعر افتراق أحدهما عن الآخر.
أما في الفترات التي كان يهدأ فيها سعار القصف، أو ننتقل إلى أماكن أهدأ نسبياً، تبدأ معركة الأسئلة التي لا إجابة لها: “من وين بييجي الصاروخ؟ هل يتألم الشهداء؟ خالو بشوفنا من الجنة؟ ليش بتكتبي أسماءنا على ايدينا؟ لو رحت على الجنة لحالي، بقدر اطلب من الله ماما وبابا؟”
كل سؤال من هذه الأسئلة هو لغز لا يقوى أحد على الإجابة عنه، ومجرد شرحه جنون، لكن حاولنا تبسيط هذه المفاهيم، وبث الخير في أجزائها، لأن عدم الإجابة عنها أخطر بكثير على عقولهم من إجابة غير مقنعة، كان هذا العالم القذر أعقد مما تستوعب عقولهم الصغيرة، التي راحت تبحث في مرحلة من المراحل عن أصل القصة، وسبب العداء الأول، ومسئولية التاريخ، وأضافت إلى قاموسها معنى الظلم، والتخلي والخذلان.
وفي غصة الواقع الجديد؛ حيث جرّدوا من بيتهم، ملابسهم، ألعابهم، أشيائهم الخاصة، وحتى من حقائب مدرستهم التي لم يسمح لنا بحملها عند مرور حاجز النزوح، صار السؤال أكبر، وحين صارت الحياة معاناة يومية تصل إلى لقمة الخبز وشربة الماء، صار الفهم أصعب، وفي قيظ المجاعة تضخم القاموس وتضاعفت المعاني، وفي كل هذا العبء الذي يثقل على الأمهات حمله في ذواتهن، كان يجب أن يحملنه عن كاهل الصغار حتى لا يفقدوا عقولهم، فكانت الواحدة منا تشارك أبناءها الهموم والمخاوف، وتحاول شرح الواقع وتجميله، والتركيز على ما هو جميل فيه، والحث على الصبر والتحمل، لأن الجزاء المنتظر عظيم.
وفي أكثر فترات الظلم والظلمة اسوداداً، أتقنت الأمهات صناعة الأمل؛ لقد ربت كل منا الأمل في قلوب صغارها بذرة صعبة المنال، لكن تعهدناها بالرعاية بكل ما يمكن، حتى تنمو وتورق، الأمل الموعود بكل شيء جميل: أمل انتهاء الحرب، أمل العودة إلى البيت، أمل تحرير أرضنا، أمل النعيم في الجنان، أمل لكل شيء، لكل تفصيل صغير في أمانيهم البريئة: أمل وجبة لذيذة، أمل العودة إلى المدرسة، وأمل النوم على سرير. فكرة التأقيت التي زرعناها في ذروة القهر، ساعدتهم على انتظار نهايتها، والقناعة بأن الحال لا يدوم، وأن الخير لا بد قادم، جعلت قلوبهم الصغيرة تتطلع لما هو قادم بدل البكاء على ما فات.
وإن كان أطفالنا بعد كل ما مروا به من عناء، يحتاجون إلى رعاية نفسية كاملة، لكننا تمكنا من الحفاظ على الحدّ الأدنى من سلامتهم النفسية التي تمكنهم من تجاوز هذه المحرقة التي لا يمكن تجاوزها، وإن لم يكن من عمل لأم غزية في هذه الإبادة سوى ذلك، فكفى به إنجازاً عظيماً.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






