نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتطوفان الكلمةخيامٌ من كبرياء: يوميات الماجدات في مراكز الإيواء فلسفة الثبات في قلب الطوفان.

خيامٌ من كبرياء: يوميات الماجدات في مراكز الإيواء فلسفة الثبات في قلب الطوفان.

لطالما سمعنا في مأثورنا الشعبي أن البيوت لا تقوم على جدرانها وأعمدتها الخرسانية فحسب بل تقوم أولاً على صبر الأمهات وقلوبهن الواسعة التي تتسع للكون وتلم شتات العائلة، وحين عصفت الريح بكل شيء في قطاع غزة جسّدت المرأة الغزية هذه المقولة واقعًا حيًا وملموسًا.

إذ لم تعد الجغرافيا هنا مجرد مساحات صامتة بل تحولت إلى ساحة صراع وجودي تقوده هذه المرأة يوميًا في تفاصيل حرب التهجير المستمرة حيث يبرز تحول بنيوي في مفهوم المكان و جدليته فالخيمة التي أراد الاحتلال لها أن تكون مجرد شادر من القماش يوثق الانكسار واللجوء تحولت بفعل التدبير النسائي إلى مدرسة يومية لإدارة البقاء وإعادة صياغة الحياة من نقطة الصفر.

وفي هذا المشهد الملحمي لا يمكن فصل فعل التدبير عن عمق التضحية فهذه المرأة التي تقود معركة البقاء هي ذاتها أم الشهيد التي ودعت فلذة كبدها وهي زوجته التي باتت تحمل العبء مضاعفًا وهي أخته وابنته التي تجرعت مرارة الفقد والحرمان ومع ذلك لم ينكسر في عينيها بريق الأمل.

فحين يغيب البيت ويتهاوى ركامًا بفعل آلة التدمير الإسرائيلية، تحضر هذه المرأة فورًا لتمنح علماء النفس والاجتماع التفسير الوحيد والعميق لكيفية تماسك العائلة وصمودها وسط الذهول.

المساحات المحطمة والمنازل الشاخصة في وجدانها لا تعني أبداً أفول الحياة بل تتحول إلى جذور ضاربة في عمق الأرض، لتراها تنبش الموت وتستخرج من تحت الأنقاض مقتنياتها البسيطة، صانعةً من حجر الركام المتناثر موقداً للنار.

يمتد هذا التحدي وينعكس ثورة حقيقية تصنعها داخل المساحة الضيقة للخيمة التي تفتقر أصلاً لأدنى شروط الخصوصية والأمان حيث طوعت هذا الشادر القماشي الصغير وقسمته بقطع من الأقمشة أو الأغطية لتخلق أقساماً افتراضية تفصل بين زاوية الطهي ومساحة تعليم الأطفال وأخرى للضيافة والنوم مديرةً شؤون عائلتها بكبرياء ملموس يحفظ كرامتهم اليومية.

ولا تتوقف حدود هذه الهندسة البصرية عند الجدران القماشية بل امتدت لتلامس التربة المحيطة بها إذ بادرت إلى زراعة مساحات صغيرة تحيط بالخيام بنباتات النعناع والريحان وبعض شتلات الزينة لتشكل هذه الخضرة الناشئة ثورة بصرية تكسو مشهد اللجوء بملامح الاستقرار وتفوح منها رائحة البيوت المستلبة التي ترفض سيدة غزة أن تنساها.

إن هذه اليوميات القاسية داخل مراكز الإيواء والمخيمات ليست مجرد روتين عابر بل هي استنزاف جسدي ونفسي تحوله المرأة بكفاءة خارقة إلى فعل مقاومة صامت يتجلى في قدرتها على إدارة الندرة الحادة واقتصاد الشح من خلال ابتكار وجبات كاملة من معلبات شحيحة وإدارة لترات قليلة من الماء تكفي الطهي والغسيل والنظافة بجانب حرصها الدائم على أنسنة القماش وتطويع البيئة عبر ترتيب الفراش البسيط وتنظيف الأرضية الرملية باستمرار لخلق بيئة نفسية متوازنة للأطفال تحميهم من تداعيات القصف وأزيز الطائرات المستمر في الخلفية؛ لتتحول الخيمة بذلك من مكان للنوم إلى مؤسسة تربوية تبني جيل الصمود.

وفي قلب المدارس ومراكز النزوح المكتظة بآلاف البشر لم تقف المرأة في طوابير الانتظار مستسلمة بل حولت الممرات والفصول الدراسية إلى خلايا نحل اجتماعية تنبض بالعطاء عبر إطلاق مبادرات التعليم البديل لتدريس الصغار وقطع الطريق أمام محاولات تجهيل الجيل الجديد بالتوازي مع بناء شبكات تضامن اجتماعي بين النساء تتقاسم فيها الأمهات الحزن ويواسي بعضهن في الفقد ويتبادلن أدوات الطبخ الشحيحة مما يحمي المجتمع من الانهيار النفسي ويحول مراكز الإيواء من نقاط ضعف إلى قلاع قوة جماعية متماسكة.

وتأسيسًا على ذلك، فإن المرأة في غزة لم تنجُ من الحرب فحسب، بل تقود أيضًا معركة تثبيت الهوية والانتماء إلى المكان. فقد هزمت الخيمة بمعناها المرتبط بالاستسلام والانتظار، وحوّلتها إلى فضاء يضج بالحياة والكبرياء، مبرهنةً للعالم أجمع أنها لا تكتفي بتدبّر شؤون العيش مؤقتًا، بل تعيد صياغة مفهوم الصبر ليغدو خطَّ الدفاع الأول، مؤكدةً أن هندسة الأمل وإرادة الحياة قادرتان على مواجهة أقسى الظروف وصناعة المستقبل رغم كل التحديات. 

الوسوم
شارك:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة