نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتطوفان الكلمةكيف أعادت الحرب صياغة شكل المجتمع؟

كيف أعادت الحرب صياغة شكل المجتمع؟

في مقالٍ لها بعنوان العالم القَبَلي، تقول إيمي تشوا: “إن الجماعات عندما تشعر بالتهديد، تتراجع إلى النزعة القَبَلية، تغلق صفوفها وتصبح أكثر عزلة، وأكثر دفاعية، وأكثر تركيزاً على عقلية نحن ضد الآخرين».

وتشير دراسة نشرت في يناير 2023 في مجلة علم الإجرام البريطانية، إلى أن الأشخاص الأكثر تعرضاً للحرب هم «أكثر استعداداً لإيذاء الآخرين، فكلما زاد الضغط أو المشاعر السلبية التي يشعر بها الشخص، زادت احتمالية إيمانه بالعنف كحل للصراع».

وإن كانت هذه الظواهر طبيعية وعالمية، ولا يكاد مجتمع من المجتمعات يخلو منها حتى في أوقات الاضطراب القصيرة محدودة المدى والتأثير، كالكوارث الطبيعية، أو التحركات الشعبية، أو الفوضى السياسية، فما بالنا بحرب أكلت في طريقها كل المعالم الحضرية، وكل السمات المدنية لبقعة أصغر من أصغر مدينة في العالم، وابتلعت كل مقتضيات بقاء المجتمع، في عامين من التدمير الممنهج مادياً ومجتمعياً، ولذا، كانت لغزة خصوصية في الحديث عن الجانب الاجتماعي للحرب، كونها لم تتعرض لمخرجات الحرب الطبيعية وآثارها المعتادة، بل تعرضت لاستهداف مقصود ومتعمد للمنظومة المجتمعية كاملة، ومارس عليها الاحتلال استهدافاً من نوع جديد، هدفه القضاء على أي شكل من أشكال البناء الحضاري، وزرع الفتنة والخلاف وحتى الاقتتال بين افراد يتشاركون جميعاً جحيم الحرب.

مطلع الحرب، مع اشتداد القصف على جميع المنشآت الرسمية بما فيها السجون، تم إخلاؤها من النزلاء خوفاً على حياتهم، وإطلاق سراحهم ليقضوا الأيام الصعبة بين عائلاتهم، ومن ثم بعد شهور من استمرار الهجمات، تحول هؤلاء -ومعظمهم مجرمون ولصوص ومتخابرون مع الاحتلال- إلى بؤرة فساد وجدت الفرصة المواتية لتتوسع وتتمدد، وشكلت تكتلات تمارس الإجرام المنظم والسطو المسلح، ونالت جزءاً كبيراً من دعم الاحتلال، بالتواصل المستمر والتعليمات المباشرة، وأحياناً بالمال والسلاح، لنشر الفوضى، وسرقة البيوت المخلاة والمساعدات الإنسانية، وغيرها من المخططات التي تصل أحياناً إلى استهداف بعض الأشخاص وتدمير بعض المناطق.

ولا يخفى على أحد أن هؤلاء المجرمين هم أفراد ضمن عائلات غزية، تمثل جزءاً من النسيج المجتمعي، وقد أثر ذلك بشكل كبير على التصدع الذي أصاب المجتمع بخلق عداء بين هؤلاء وعائلاتهم، أو عداء بين عائلاتهم -في حال لم يردعوهم- وبقية العائلات. والفئة الثانية التي أفرزتها الحرب وزادت من تبعات آثارها الاجتماعية، هي “تجار الحرب” وهو مصطلح يعني به الناس هنا تلك الفئة من بائعي التجزئة والسلع البسيطة، التي استغلت ظروف الاضطراب وغياب الرقابة، للتحكم في أسعار السلع الأساسية، فتحتكرها وتجني أرباحاً طائلة، وتضاعف الأثمان عشرات أو مئات الأضعاف، هؤلاء أيضاً أحدثوا انقساماً اجتماعياً داخل عائلاتهم، بين داعم لهم ومتبرئ منهم، انقساماً وصل إلى حد الاقتتال، ففي ظل المجاعة القاسية، كان الكثيرون يفضلون الاستفادة من أخطاء أبنائهم على التضور جوعاً!

وإن كان ذلك الواقع الجديد كافياً لإحداث شرخ غير بسيط في نسيج المجتمع، فإنه لم يكن وحده، بل تضافرت معه عوامل أخرى، زادت من تعقيد المشهد وتصدع المجتمع، حيث أصبحت الصورة الاجتماعية للعائلات في ظل الحرب كالتالي:

عائلات مشتتة: تفرق أبناؤها بين أجزاء القطاع نفسه، بعد واقع الهدم والنزوح وتقطيع الأوصال، أو خارج القطاع بعد اختيار كثير منهم السفر ومغادرة أرض الحرب لحين فرج، فطارت بهم ظروف السفر الى شتى بقاع الارض كل حسب وضعه، والكثير منهم تفرق أبناؤهم بين داخل القطاع وخارجه، فحيل بين الآباء والأبناء، والأزواج والزوجات، وفُرض واقع جديد من الشقاق.

عائلات متنازعة: وضعتها الظروف تحت ضغط نفسي هائل، في ظل الخوف والجوع وغياب العمل والمال وسبل العيش الكريم، وفي ظل التجمع والنزوح معاً ومشاركة المعاناة اليومية والاحتكاك المستمر، وانعدام الاستقلالية والخصوصية، فخلقت جواً من الكدر وغياب القدرة على الاستيعاب، ما أوجد الكثير من الخلافات أو فاقمها، وشكّل قطيعة لم تنتظر انتهاء الحرب لتعلن عن نفسها.

عائلات متسلطة: وجدت في غياب الرادع والقانون فرصة لممارسة التغول على الآخرين وسلب حقوقهم، أو أخذ القانون بأيديهم بما لا يتلاءم مع مضمون العدالة، ومحاولة بسط نفوذهم على من هم أضعف منهم، أو الانتقام منهم، وهو ما عمق الخلاف بين جموع العائلات وفقاً لموقفهم منها.

عائلات قوامها امرأة: وهي أكثر من أن تحصى، بعد العدد الهائل للشهداء الرجال المعيلين، الذين تركوا أسراً كاملة في مسئولية نساء عليهن مجابهة الحرب والجوع والنزوح وحدهن، مع صعوبة أن يجدن ملاذاً في كنف احد، حيث المجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطاة الحرب، ولا يكاد أي شخص يعتني بنفسه فضلاً عن أسرته فضلاً عن غيرها.

مئات الناجين وحدهم بلا معين: بعد فناء عائلاتهم بأكملها وقسوة الوضع النفسي الذي لا يتأقلم مع الواقع الجديد، فيتعمق شعورهم بالوحدة واليتم، في ظل صعوبة رعايتهم من قبل غرباء هم أنفسهم مثقلون بما يكفي.

مئات الزيجات لأسباب غير حقيقية: اتخذت من سهولة إتمام الاجراءات في ظل الحرب وغياب التكاليف والتجهيزات فرصة لا تعوض، أو تحت وطأة اللحاق بالزمن بعد امتداد السنوات وتعذر التاجيل، أو بسبب استشهاد الزوجة وضرورة إيجاد بديل يقوم برعاية الأسرة، أو تعويض غيابها في حالة السفر أو الإصابة، وهو شكل من الزواج لا يحقق الترابط الذي يخلقه زواج صحي بين عائلتين أصبحتا كياناً واحداً، ويزيد من عمق الخلاف.

أصبح للمجتمع في ظل الحرب شكل جديد، غريب، ومقلق، وفي ظل الأزمات المتلاحقة، توقف الناس -حتى ذوو العلاقات الجيدة منهم- عن التزاور والتكافل وصلة الرحم، حتى طقوس المواساة في حالات الفقد وبروتوكولات العزاء ضاعت تحت سطوة القصف والجوع والنزوح.

تغير شكل المجتمع حتى أدق تفاصيله الخارجية، فشكل اللباس هنا، اتخذ طابعاً “حربيا” ؛ قصّرت النساء المحجبات ثيابهن إلى ما فوق الكاحل، ليتمكنن من السير في وعثاء الطرق المدمرة والمليئة بالركام والحفر والمياه العادمة، وأصبح الحذاء الرياضي “البوت”، هو الخيار الوحيد للسير ، مهما بلغ عمر الشخص أو جنسه أو طوله أو ذوقه أو حتى مقدار نقوده، وتخلت السيدات عن بعض أشكال الحجاب التي رُبطت -خطأً- بتنظيمات معينة، أو تثير شبهة ما، في محاولة للحفاظ على السلامة في موسم القتل بالاحتمال، كما تخلّين عن حقائب اليد الأنيقة واستبدلنها بحقائب ظهر مدرسية، في ظل انعدام المواصلات، وطول المسافات سيراً على الأقدام، وصارت القبعة الواقية من الشمس “الكاب” جزءاً لا يتجزأ من اللباس للحماية من الاحتراق، ولم تعد النظارة الشمسية -لمن يجدها- رفاهية، بل ضرورة في مشاوير لهيب القهر اليومية، وكل هذا لمن يعيش نعمة الحصول على ملابس، ففي كثير من الأحيان، تجد أشخاصاً يرتدون ملابس الصيف في الشتاء وملابس الشتاء في الصيف.

إن كل ما أصاب المجتمع الغزي من اختلالات بسبب الحرب، أحدث فيه صدعاً لا يُعرف مقداره بعد، حيث لا سبيل الآن لقياسه، ولا يمكن الجزم إذا ما كان يمكن رأبه أو إصلاحه، في جملة ما يحتاج في هذه المدينة إلى إصلاح..

ورغم ذلك، في بارقة أمل تقرر الباحثة شارلوت فيدلر بأن تلك الظروف والدراسات المنبثقة عنها، لا تقدم صورة كاملة عن مجتمعات ما بعد الحرب. وتشير إلى صورة أخرى، وهي أن ضحايا العنف قد يتعاونون بشكل أكبر مع بعضهم بعضاً «لزيادة السلامة الشخصية والتعامل مع الصعوبات الاقتصادية الناتجة عن الحرب»، بالاضافة إلى أنهم قد «يسعون بنشاط أكبر للمشاركة في الحياة العامة للتخلص من وصمة الحرب، والهروب من حالة العجز، والشعور بالتمكين، وبالتالي، فمن المُفترَض أن مجتمعات ما بعد الحرب ستصبح أكثر تماسكاً وليس العكس”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة