
تقدير موقف: مآلات التفاهمات الأميركية الإيرانية، وتداعياتها
وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في 18 يونيو/حزيران، مذكرة تفاهم أدت لتوقف الحرب، وإتاحة المجال أمام الطرفين للتوصل لاتفاق شامل خلال 60 يوماً.
ويُعد الاتفاق تتويجاً لأشهر من التصعيد المتبادل بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل اللذين نفذا عدواناً شاملاً فشل حتى اللحظة في تحقيق أهدافه بإسقاط النظام أو تغييره، حيث اتضح أن تحقيق هذا الهدف غير ممكن في ظل وجود منظومة عقائدية فكرية متماسكة في إيران.
وفي المقابل، تمكنت إيران من توسيع دائرة المواجهة باستهداف القواعد الأميركية وبعض المصالح المرتبطة بها وأهداف مدنية في منطقة الخليج، فضلاً عن خلخلة الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز.
أولاً: دوافع الاتفاق
وتعكس المذكرة اعترافاً من الطرفينبعدم القدرة على حسم الصراع، وصعوبة تحمل كلفة استمراره.
فبالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي فشل في تحقيق هدف القضاء على القيادة الإيرانية، مقابل نجاح إيران في إغلاق مضيق هرمز، فقد وجد نفسه مضطراً لتوقيع الاتفاق في ظل تصاعد الخلافات الأمريكية حول جدوى الهجوم، ومدى خدمته لمصالح الولايات المتحدة مقارنة بخدمته للمصلحة الإسرائيلية، واستهلاكه مخزونات الأسلحة الأمريكية، وتسببه بارتفاع أسعار المحروقات، مع اهتزاز الاقتصاد العالمي، فضلاً عن إحجام الناتو عن المشاركة في المعركة، إضافة إلى استفادة كل من الصين وروسيا من انشغال الولايات المتحدة بالحرب. وترافق كل ذلك مع اقتراب استحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في ظل انخفاض شعبية ترامب، بما يهدد بخسارة حزبه الجمهوري.
أما بالنسبة لإيران، فقد سعت لوضع حد لحرب استنزاف لمقدراتها العسكرية في ظل معاناة شديدة من تشديد الحصار الأمريكي، وتراجع تصدير النفط، فضلاً عن الخسائر الفادحة في البنية التحتية، والحاجة الماسّة للأموال لإعادة الإعمار. ولذلك وجدت القيادة الإيرانية أن الاتفاق يحقق لها مكاسب يمكن البناء عليها، وتمكنت من تجاوز الاعتراضات في أوساط المتشددين، في الوقت الذي وفر فيه المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الغطاء للاتفاق رغم إبدائه تحفظاته عليه.
ثانياً: حقيقة التفاهمات
- يمثل التفاهم الأمريكي–الإيراني إطاراً مؤقتاً يتضمن آلية لإدارة الخلافات واحتواء التصعيد، أكثر من كونه تسوية نهائية أو اتفاق سلام شامل، إذ تم تأجيل معظم القضايا الخلافية الجوهرية إلى مفاوضات لاحقة. وسيبقى الحكم على نجاحه مرهوناً بقدرته على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ والاستمرار.
- يعكس التفاهم إدراكاً أمريكياً وإيرانياً بأن الممكن في هذه المرحلة ليس التوصل إلى تفاهمات سياسية شاملة، بل إدارة الخلافات والتوصل إلى آليات مؤقتة تمنع انهيار الاتفاق أثناء التنفيذ، من خلال تشكيل لجنة عليا للإشراف السياسي على العملية التفاوضية وحل الإشكالات، وآليات ميدانية للرقابة والتنسيق، تضم ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان، لتكون المرجعية العليا التي تتابع تنفيذ الالتزامات السياسية الرئيسية. كما تقرر إنشاء أربع مجموعات عمل متخصصة تتولى إدارة ملفات: رفع العقوبات عن إيران، والبرنامج النووي، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، والرقابة والتنفيذ.
- يعتبر إعادة فتح مضيق هرمز أحد أهم بنود الاتفاق وأكثرها تأثيراً من الناحية الاقتصادية. فقد تعهدت إيران بضمان حرية الملاحة في المضيق، فيما التزمت الولايات المتحدة برفع الحصار البحري خلال ثلاثين يوماً. ونظراً إلى أن ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، فإن هذا البند وحده يحمل تداعيات واسعة على أسواق الطاقة العالمية واستقرارها.
- يتضمن التفاهم إجراءات اقتصادية، أبرزها تسهيل تصدير النفط الإيراني، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة(مرهوناً بالالتزام الإيراني بالاتفاق)، بما يعكس انتقالاً نسبياً من سياسة الضغط الأمريكي الأقصى إلى مقاربة تقوم على الحوافز الاقتصادية وخفض التصعيد.
- أما بالنسبة لشمول لبنان بالاتفاق، فيشكل نجاحاً إيرانياً وفشلاً إسرائيلياً، إذ نص الاتفاق على تشكيل وحدة متابعة خاصة بلبنان تُعنى بخفض التصعيد ومراقبة تنفيذ الترتيبات المرتبطة بالوضع اللبناني.
- في المقابل، لم يعالج الاتفاق القضايا الاستراتيجية الحساسة، وفي مقدمتها مستويات تخصيب اليورانيوم، والمخزونات النووية، ما يعني أن مصادر التوتر الأساسية ما تزال قائمة وتم ترحيلها إلى مراحل لاحقة.
- تجاهل الاتفاق لبرامج الصواريخ الباليستية، وشبكات النفوذ الإقليمي الإيرانية، يشكل مكسباً إيرانياً مهماً، ويعبر عن إخفاق الحملة الأمريكية الإسرائيلية. بل إن ترامب خرج ليبرر احتفاظ إيران بصواريخها، بأن دولاً أخرى بالمنطقة تمتلكها! وهذا شكل ضربة لنتنياهو الذي سبق له وركًب هذا الهدف ضمن أهداف الحملة على إيران.
ثالثاً: دلالات التفاهمات
- يكشف الاتفاق أن التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي والإسرائيلي وحده عاجز عن فرض معادلات جديدة في المنطقة بالقوة، وخصوصاً في مواجهة أنظمة عقائدية،وفي ظل حالة تعدد القطبية، وسعي روسيا والصين الى منع الاستفراد الامريكي بالمنطقة، بل ومحاولة إلحاق هزيمة سياسية وعسكرية بالولايات المتحدة من خلال تعزيز امكانيات صمود النظام الايراني. وهذا يمثل بداية انتقال تدريجي نحو التعددية القطبية.
- فشلت إسرائيل بمحاولة توسيع نطاق المواجهة في ظل قرار ترامب بوقف الحرب دون مشاورة نتنياهو، بل بإلزام نتنياهو بوقف الحرب في لبنان. ويمثل ذلك ضربة لإسرائيل التي رأت أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الإقليم، ومحاولة إلحاق هزيمة برأس محور المقاومة (إيران)، بل وإضعاف أي محاولة لنهوض المحور السني، انطلاقاً من عقيدة تقوم على “النصر المطلق“ الذي سيكرس إسرائيل كقوة كبرى في المنطقة حسبما يروج نتنياهو، ولمحو اثار الهزيمة التاريخية أمام هجمات طوفان الاقصى التي أطاحت بنظرية الردع الإسرائيلية.
- كما سعت إسرائيل من خلال إطالة أمد الحرب، ومحاولة توريط دول المنطقة إلى إعادة توجيه مراكز الثقل الاقتصادية والتجارية في المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية على المدى البعيد.
- ظهر جلياً أن نتنياهو نجح بجر الولايات المتحدة لحرب أحدثت اضطرابات اقليمية سياسية واقتصادية في العالم، وهو الأمر الذي زاد من النقمة الشعبية الأوروبية على اسرائيل، فيما تعززت النظرة الرسمية لإسرائيل بأنها عامل توتر في المنطقة.
- شكلت الوساطة الباكستانية التي تعززت بوساطة قطرية رافعة مهمة لإنجاز الاتفاق الذي يشكل مصلحة سياسية واقتصادية لباكستان ودول الخليج، فضلا عن أوروبا. كما أن مشاركتهما في الإشراف والمتابعة ودعم استمرارية العملية التفاوضية، يمنح الاتفاق الاستقرار، ويعزز حضورهما الإقليمي في إدارة مساره.
- دق الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي لرأس النظام في إيران ناقوس الخطرعند تركيا، التي شعرت بأنها ستكون التالية في حال نجاح العدوان على إيران، وهو ما لمسناه في التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وهذا عزز الحراك التركي الفاعل في المنطقة مع مصر والسعودية وباكستان، كما رأينا سعياً لأنقرة لإيجاد بديل بري عن هرمز.
- يهدد استقرار التفاهمات عوامل عديدة، في مقدمتها الهشاشة التي تميز العلاقات الأمريكية–الإيرانية، وانعدام الثقة المتبادل، والخلافات الداخلية لدى الطرفين. وتزداد الصورة تعقيداً بفعل الاعتبارات السياسية الداخلية لدى الطرفين. ففي الولايات المتحدة، يرى منتقدو الاتفاق من اليمين الإنجيلي أنه ينطوي على تنازلات لصالح إيران، مقابل اهتزازات جديدة في حركة MAGA تمثلت بانسحاب أحد أبرز رموزها تاكر كارلسون من الحزب الجمهوري، على خلفية اعتباره أن الحرب هي لمصلحة إسرائيل وليس أمريكا.
وفي إيران يبدي بعض رموز التيار المتشدد شكوكاً عميقة تجاه أي تقارب مع واشنطن.
كما ترفض إسرائيل الالتزام بوقف النار في لبنان كما ورد بالاتفاق، وترفض الانسحاب من جنوب لبنان، لأن ذلك سيكون بمثابةانتحار سياسي لنتنياهو، فيما تواصل بعض دول الخليج (الإمارات) إظهار تحفظات إزاء مسار قد يفضي إلى تعزيز المكانة الاقتصادية والدبلوماسية لإيران.
رابعاً: مستقبل التفاهمات
نجاح الاتفاق سيظل مرهوناً بنتائج المفاوضات المقبلة التي ستتناول القضايا الأكثر تعقيداً وحساسية, وسيتحدد مستقبل التفاهم الأمريكي الإيراني خلال فترة الستين يوماً بمواقف الأطراف السياسية، وقدرة المنظومة الجديدة على إدارة الملفات المعقدة، واحتواء التطورات في هرمز ولبنان.
ومع ذلك، فمن المشكوك فيه أن تكون فترة الـ 60 يوماً كافية لإنجاز تفاهمات كاملة فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بالتخصيب والبرنامج النووي الإيراني، لا سيما وأن الاتفاق مع إدارة أوباما عام 2015 استغرق نحو عام ونصف للتوصل إليه.
كما قد يؤدي أي تطور ميداني في لبنان أو مضيق هرمز إلى زيادة الضغوط على العملية التفاوضية. ويمثل هذا السيناريو الأكثر خطورة، لأنه يهدد بنسف التفاهم الحالي.
ولأن الأطراف تمتلك مصلحة مشتركة في المحافظة على المسار القائم، لكنها لا تملك بعد مستوى التوافق الكافي لحسم جميع الملفات المعقدة خلال فترة زمنية قصيرة، فإن من المرجح حصول نجاحات جزئية يتبعها استمرار التفاوض ضمن الإطار المؤسسي نفسه، وذلك في حال التمكن من استيعاب الأزمات الطارئة خصوصاً في هرمز أو لبنان.
وبعكس ذلك، فإن أي انتهاكات للاتفاق في لبنان أو مضيق هرمز قد تؤدي إلى تعطيل المفاوضات وإعادة التصعيد، الذي لن يتطور لمواجهة شاملة على الأغلب بسبب عدم رغبة الطرفين في عودتها.
وفي المدى الأبعد، فإن التحرك الذي جرى ينطوي على عملية “تغيير” بالعقلية الأمريكية بأن إيران باتت تشكل تهديداً وجودياً بالمنطقة، وأن هناك قراراً أمريكياً-إسرائيلياً قد صدر بإزالة منظومة “الولي الفقيه”.
ولذلك، فالمرجح هو استمرار محاولات استنزاف النظام اقتصاديا وعسكريا وسياسيا في سبيل إسقاطه ولو بعد سنوات (كما حدث مع نظام صدام حسين عام 2003)، ما قد يؤدي إلى دورات تصعيد عسكرية أخرى في الفترة المقبلة (قد يتم ذلك بعد الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التحديد النصفي للكونغرس الأمريكي).
علماً أن تحقيق هدف استنزاف النظام لن يتغير بتغير قيادة الكيان الصهيوني، التي ستظل في الإطار اليميني، أو تغير الإدارة الأميركية. ويبدو أن إمكانية حدوث التغيير في الموقف الأمريكي مرتبط بتغيير توجهات النظام في إيران فقط.
خامساً: الانعكاسات المحتملة للاتفاق
- الموقف الإسرائيلي
حينما قام ترامب بتوقيع الاتفاق دامجاً الجبهة اللبنانية ضمن الإتفاق، فيكون قد أبعد إسرائيل عن قرار الحرب والسلم في المنطقة، كما فعل سابقاً بالخطة التي قدمها ترامب لوقف إطلاق النار في غزة، وهو الذي لم تلتزم به إسرائيل حتى الآن، وقد لا تلتزم به في لبنان أيضاً، مما سيزيد من حدة الخلافات مع ترامب، الذي نقلت تقارير أنه يبحث دعم مرشحين منافسين لنتنياهو في انتخابات الكنيست، وهما نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت.
ويدل هذا على أن الولايات المتحدة، التي كانت تنظر سابقا إلى نتنياهو كشريك لا غنى عنه، باتت تتعامل معه اليوم كعقبة أمام اتفاق تصر على حمايته، بل إن هناك خشية إسرائيلية من أن تتحول انتقادات ترامب ونائبه فانس العلنية لسلوك إسرائيل إلى تغييرات ملموسة في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، مثل تأخير شحنات الأسلحة، إذا واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان.
وتتآكل بذلك الصورة التي بناها نتنياهو لنفسه طوال عقود، باعتباره الزعيم القادر على التأثير في واشنطن وتطويع موقفها في الملف الإيراني. فبعد أن خسر الديمقراطيين في حرب الإبادة على غزة، ها هو يخسر شرائح من الجمهوريين، وعلى الأخص من اتباع MAGA، لأنه لم يعد قادراً على ضمان تقاطع الحسابات الإستراتيجية الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية، وبات مضطرا إلى التعامل مع سياسة ترامب، الذي وجه انتقادات علنية لاذعة له، وأكد أن نتنياهو سيستجيب لما يطلبه منه.
وينذر ذلك بفقدان نتنياهو لشبكة الأمان الجمهورية التي اعتمد عليها طوال فترات حكمهلإسرائيل، والتي أهلته لكي يهاجم الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه الرئيس الأسبق، باراك أوباما، عام 2015، من على منصة الكونغرس!
وبات مأزق نتنياهو على أبواب انتخابات الكنيست مضاعفاً بين رئيس أمريكي عازم على إنهاء الصراع، ورأي عام إسرائيلي يرفض الانسحابات الإسرائيلية من لبنان وغزة وسوريا، وذلك فقاً لاستطلاع نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية.
ولم يحقق نتنياهو وعد النصر الكامل في حرب إيران بعد أن فشل في إسقاط النظام الإيراني أو حتى هزيمة حزب الله، بحيث لم يتمكن سكان شمال الكيان من العودة الآمنة إلى مناطقهم كما وعدهم رئيس وزرائهم.
وسيؤدي سقوط رهانات نتنياهوباستغلال إضعاف النظام الإيراني أو الإطاحة به، لتدشينالتطبيع مع السعودية وتوسيع اتفاقيات إبراهيم، حيث بدأت هذه الأخيرة، في ضوء سياسات نتنياهو ومواقف حكومته المتطرفة التي تسعى للاستيطان بغزة ومصادرة الأراضي في الضفة واحتلال أراضي جديدة بسوريا والعدوان على لبنان إلى ما بعد الليطاني، بالابتعاد عن هذا المسار، وفتح قنوات للتواصل مع طهران قبل الحرب الأخيرة وبعدها.
وأدى نجاح إيران في تعزيز موقعها في المنطقة على حساب إسرائيل إلى ضرب منطق نتنياهو بأن “التحالفات تُعقد مع الأقوياء”، لأن إسرائيل بقيادة نتنياهو لم تثبت أنها القوة المهيمنة رغم سيطرتها على مساحات من غزة ولبنان وسوريا أو حتى قادرة على ضمان أمن حلفائها، بل أصبحت عبئاً لا مكسبا في أي نظام إقليمي ناشئ.
- الموقف الإيراني
خرجت إيران من الحرب وهي تعاني من خسائر كبيرة على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية، إلا أنها تمكنت من الحفاظ على تماسك النظام السياسي ومنع خصومها من تحقيق أهدافهم الكبرى، بل تجاوزت ذلك إلى إضعاف مكانة أمريكا في العالم، ووضع حد للتغول الإسرائيلي على المنطقة.
وأفرزت الحرب قيادة جديدة للنظام في إيران أكثر تشدداً، لا تبحث عن انتصار عسكري تقليدي بقدر ما تسعى إلى الحفاظ على ما يمكن تسميته “الكرامة الوطنية“، أي إثبات قدرة النظام على الصمود ومنع فرض الإملاءات الخارجية.
ومع ذلك، فإن من المرجح أن تستمر إيران في تبني استراتيجية تقوم على تجنب الحرب الشاملة، مع المحافظة على قدراتها الردعية وأدوات تأثيرها الإقليمية، بما في ذلك مضيق هرمز الذي تريد أن يكون لها الحق في فرض رسوم عبوره بعد انتهاء مهلة ال 60 يوماً، باعتبارها من الدول المشاطئة له مع عُمان، وهو ما يتعارض مع القوانين الدولية ويفرض التزامات ثقيلة على العالم ودول الخليج، وقد يؤدي إلى إعادة اندلاع الصراع في المنطقة.
كما تسعى إيران كذلك إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية من خلال الإفراج عن أصولها المجمدة والتعويضات، فضلاً عن عائدات المضيق التي تقدر ب 40 مليار دولار سنوياً.كما تحتاج القيادة لإظهار المكاسب والمنافع الاقتصادية والسياسية التي خرجت بها من الاتفاق في مواجهة معارضة المتشددين له.
من زاوية ثانية، أثبتت المواجهة تعزز حاجة إيران إلى القوى الإقليمية مثل حزب الله والحوثي في مواجهة الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي.
وفيما لم تبرز الحاجة لغزة في ظل وضعها الصعب حالياً، إلا أنه من غير المرجح أن يتراجع اهتمام ودعم النظام لحالة المقاومة الفلسطينية، لأنها لا تزال تشكل رصيداً استراتيجياً في المواجهة مع إسرائيل.
كما أن فك الحصار عن إيران والإفراج عن أموالها المجمدة والتعويضاتسيحسنالوضع الاقتصادي للبلاد، ويزيد من فرص استفادة مشروع المقاومة في فلسطين من الدعم الإيراني، بما يعزز صموده بوجه التغول الصهيوني، ولكن لن يكون لذلك أثر فوري على المفاوضات الحالية لنزع سلاح المقاومة، بسبب استغراق إيران بالمفاوضات، بل باحتمال فشل التفاهمات مع أمريكا.
سادساً: التأثير على فلسطين والمقاومة
من المرجح ارتفاع وتيرة الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، تعويضاً عن القيود التي فرضها ترامب على نتنياهو في لبنان، بسبب أن هذه الضربات ستكون كلفتها السياسية أقل على الاتفاق الأمريكي مع طهران، مقارنة بكلفة أي تصعيد غير منضبط في لبنان. ومع ذلك، لا يتوقع أن يلجأ الاحتلال إلى شن عملية واسعة في غزة أو أن يحاول العودة إلى حرب الإبادة مستغلاً الانشغال الأمريكي بإيران.
وبالفعل، وجهت إسرائيل ضربات ضد قطاع غزة متذرعة بوجود منصات صواريخ خلف خطوط الجيش وعودة الخلايا المسلحة داخل القطاع، فيما تستغل الحرب للتوسع في الضفة والقدس بإجراءات الضم والتهويد مع إطلاق يد المستوطنين ليعيثوا فساداً بالأراضي الفلسطينية.
وتستغل حكومة نتنياهو التصعيد في غزة والضفة لإظهار حرية حركتها، وعدم رضوخها لواشنطن. ولذلك حرص نتنياهو على القول إن جيش الاحتلال سيطر على 70% من قطاع غزة وسيكمل المهمة بالسيطرة على مناطق جديدة.
ولا شك أن خروج إيران من الحرب، وتعافيها اقتصادياً سينعكس إيجابياً على المقاومة، ولكن لن يكون لذلك أثر فوري، بسبب حاجة النظام للتعافي وإعادة البناء، فضلاً عن العقبات التي ستمنع التعافي الإيراني سريعاً، أما من الناحية السياسية، فلم تضع إيران قضية إلزام إسرائيل بوقف الحرب على غزة ضمن شروط وقف النار كما فعلت مع لبنان، ولكن هذا لا يمنعها مستقبلاً أن تضع هذه القضية على الطاولة.
سابعاً: تأثير الحرب على لبنان
دخل حزب الله المعركة بكل قوته التي استطاع ترميمها بعد خسائر المعركة التي شارك فيها خلال الطوفان، وأعلن أنه دخل الحرب انتصاراً لإيران، ونجح في تحقيق صمود عالٍ مع تكبيد الاحتلال خسائر فادحة.
وتشير المعطيات إلى احتمال استمرار المعركة في لبنان وإن بوتيرة أقل من السابق، مع احتمال يكاد يكون معدوماً لانسحاب إسرائيل من لبنان.
من ناحية ثانية، ومع ازدياد الشرخ بين الحزب والحكومة، قامت الحكومة اللبنانية بتوقيع اتفاق إطار مع إسرائيل يتضمن انسحابات تجريبية إسرائيلية من لبنان بالتزامن مع نجاح الحكومة في تحييد وجود حزب الله فيها. ويشكل ذلك محاولة لحرمان الحزب من الحصول على مكاسب من نجاح إيران بربط لبنان باتفاق وقف الحرب، ولتنفيس مطالب إيران بالانسحاب الإسرائيلي الكامل بعد وقف الحرب. ولكن الأخطر في الاتفاق هو انه يمهد الطريق لاعتراف لبنان بإسرائيل ، وإطلاق يد إسرائيل في لبنان.
ثامناً: التأثير على دول الخليج
باتت دول الخليج أكثر إدراكاً لمحدودية الضمانات الأمنية التي توفرها القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وفشل واشنطن في حماية مصالح حلفائها، وذلك رغم استمرار نظرتها إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد أمني.
وبسبب صعوبة البدائل، فلا يتوقع أن تتخلى هذه الدول عن الحماية الامريكية، ولكنها على الأغلب سيلجأ بعضها إلى تنويع هذه الحماية من دول أخرى.
وربما تؤدي هذه الحرب الى توسيع رقعة الخلاف الخليجية الإيرانية، واستمرار التخوف من الخطر الإيراني عليها.
وعلى النقيض، تستعد السعودية لاستضافة محادثات مصالحة بين إيران ودول الخليج، في الوقت الذي تقود فيه قطر مباحثات بشأن مستقبل مضيق هرمز، وذلك وسط تخوف خليجي من سعي إيران للسيطرة على المضيق من خلال فرض رسوم على السفن بعد انتهاء مدة الـ60 يوماً التي تعهدت خلالها بحرية مرور السفن دون رسوم. وقد يزيد ذلك من تعقيد العلاقات الإيرانية الخليجية، إضافة إلى تراجع ثقتها بواشنطن في حال سمحت لإيران بذلك.
كما سيعاني الخليج من تبعات اقتصادية ثقيلة نتيجة توقف تصدير الطاقة لعدة أشهر، فضلاً عن إمكانية تحميله 300 مليار دولار كقيمة للتعويضات التي وعدت بها أمريكا إيران!
وفي هذا السياق يأتي انعقادالاجتماع الوزاري المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة في المنامة، تخللها تطمينات من وزير الخارجية مارك روبيو بأنه ليس لأي دولة الحق في فرض رسوم مرور على مضيق هرمز، مؤكداً على أن أي قرارات تُتخذ في المحادثات مع إيران ستضمن مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة.
تم بحمد الله
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: واحة السياسة
مقالات مشابهة
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 08 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 90 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 85 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 81 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 80 Views






