نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتالتقرير السياسيقراءة في نتائج قمة حلف الناتو في أنقرة

قراءة في نتائج قمة حلف الناتو في أنقرة

لم تقتصر نتائج القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والتي انتهت في 8 يوليو/تموز في أنقرة على تثبيت أولويات الحلف التقليدية التي كرّستها القمم السابقة، وهي الدفاع الجماعي، وردع روسيا، ودعم أوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، بل إنها هذه المرة تمخضت عن إدخال الشرق الأوسط إلى قلب أجندة الحلف، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الملاحة وأمن الطاقة في ظل الحرب على إيران.

وكان الدور التركي هو الأبرز فيها، إذ دفع باتجاه رؤية أمنية أوسع من المنظور الأوروبي الغربي السائد لعقود. ولم يحصر البيان الختامي للقمة التهديد في الجبهة الشرقية مع روسيا، بل اعترف ببيئة أمنية ممتدة تشمل الشرق الأوسط، بما يعني أن الجنوب لم يعد ملفا ثانويا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من التفكير الأمني للناتو.

كما تعهد الحلفاء في البيان بتقديم 70 مليار دولار لأوكرانيا خلال عام 2026، في صورة معدات ومساعدات وتدريب عسكري، مع تعهد بمستوى دعم مماثل في عام 2027، على أساس أن الحرب مرشحة للاستمرار. أما على صعيد إيران، فقد شدد الحلف على ضرورة ألا تمتلك طهران سلاحا نوويا، وأن تحترم حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وعلى مستوى البنية الداخلية للحلف، لا يزال الناتو متماسكاً مؤسسياً، رغم انتقادات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحلفاء الأوروبيين، ورغم التوترات التي رافقت القمة؛ إذ ساهمت زيادات الإنفاق الدفاعي من جانب الأوروبيين في تهدئة التوتر مع الإدارة الأمريكية، واعتبرها ترامب استجابة لضغوطه المتواصلة بشأن تقاسم الأعباء.

الناتو 3، والموقف التركي

حضر مفهوم “الناتو 3” بقوة في تصريحات المسؤولين قبل قمة أنقرة، وقصد به إحداث تحول نوعي في الحلف عبر الانتقال من منظمة لإدارة الأزمات إلى تحالف حربي متعدد المجالات، مستفيداً من التحولات الجيوسياسية في حرب أوكرانيا والشرق الأوسط، ومن تطور التكنولوجيا العسكرية، ولا سيما في مجال الأسلحة. غير أن هذا المفهوم لم يرد صراحة في البيان الختامي، بسبب غياب إجماع حوله داخل الناتو؛ إذ تخشى عواصم أوروبية أن يشكل نقطة انطلاق لتراجع أمريكي عن التزامات أمنية حيوية، ما دفع إلى تفضيل الاكتفاء بالصياغات التقليدية. ومع ذلك، جرى الاتفاق على تطبيق عدد من نقاط التحول المرتبطة بهذه الرؤية، مثل إدخال الجنوب والشرق في الخارطة الأمنية، وزيادة الأعباء التي يتحملها الأوروبيون، وتوسيع قاعدة الصناعات الدفاعية، وهي من مكونات تصور “الناتو 3”.

واستفادت أنقرة بدرجة كبيرة من استضافة القمة التي وضعتها في موقع متقدم على صعيد صياغة أجندة الحلف، ومن خلال توثيق علاقتها بالولايات المتحدة، وخصوصًا مع الرئيس ترامب الذي حرص على إظهار مكانة خاصة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كما أن تركيز أنقرة على الصناعات الدفاعية، في وقت قرر فيه الحلف زيادة الإنفاق العسكري، يؤهلها لتوسيع صادراتها الدفاعية إلى دول أخرى داخل الناتو، بعد تجربتي بولندا ورومانيا؛ وقد دعا أردوغان صراحة إلى رفع القيود والحواجز التجارية الدفاعية بين الحلفاء، في مسعى لتقديم تركيا كشريك صناعي وعسكري رئيسي داخل الحلف.

وعلى مستوى الصراع بين روسيا وأوكرانيا، حافظت تركيا على موقف متوازن؛ فأكدت دعمها لأوكرانيا في الدفاع عن نفسها، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة إبقاء قنوات الحوار مع موسكو مفتوحة، بهدف الدفع نحو إنهاء الحرب عبر مسارات سلمية قدر الإمكان.

ورغم أن قضية غزة لم تكن في صدارة أولويات قادة الحلف، فإن أردوغان أعلن أنه طرحها بقوة خلال القمة وشدد عليها، واصفًا ما يحدث في غزة بأنه “كارثة في الشرق الأوسط” تستدعي إحلال السلام وعودة الهدوء في أقرب وقت. وفيما يتعلق بهجمات الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة، أوضح أن من يربطون أمنهم ببقاء الإقليم غارقًا في الفوضى يعملون على إطفاء أي بصيص للسلام مهما كان ضئيلا، وأضاف أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدا من التوتر أو الصراعات، وأن الإنسانية بحاجة إلى السلام والطمأنينة والاستقرار بقدر حاجتها إلى الهواء والماء.

استمرار إدماج سوريا الجديدة

من النتائج غير المباشرة لقمة أنقرة، حضور الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش القمة ولقاؤه بالرئيسين الأمريكي ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون، بما حمله ذلك من دلالة على إدماج “سوريا الجديدة” في المنظومة الدولية. فمجرد جلوس الشرع مع قيادات أطلسية في هذا التوقيت، وعلى هامش نقاشات تتناول أمن الشرق الأوسط والحرب على إيران وملف الطاقة، يشير إلى أن العواصم الغربية باتت تتعامل مع دمشق – بصيغتها الجديدة – كطرف لا يمكن تجاهله في هندسة ما بعد الحرب في سوريا، وفي ضبط التوازنات على جبهة لبنان والعراق وشرق المتوسط.

كما تعزز هذه اللقاءات شرعية الدولة السورية الجديدة، خصوصاً مع إعلان الرئيس الأمريكي رفع العقوبات عن البلاد

كما أن النقاشات غير المعلنة حول مضيق هرمز أظهرت تباينًا داخل المعسكر الغربي؛ إذ يميل جزء من الأوروبيين إلى الحذر من الانخراط الكامل في مقاربة ترامب للأزمة، خشية الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، ويدفعون باتجاه مشاركة انتقائية تقوم على حماية خطوط التجارة والطاقة، دون تبني سياسة “حافة الهاوية” أو الدخول في صراع مفتوح مع إيران. وهذا يوضح أن معالجة مأزق هرمز لن تكون حكرًا على واشنطن، بل ستتأثر بحسابات أوروبا وبوزن تركيا وسوريا الجديدة في أي منظومة أمنية إقليمية قيد التشكل. وبالمثل، تختبر واشنطن وباريس قدرة دمشق على أن تكون جزءًا من منظومة أوسع، تُستخدم فيها سوريا كعامل توازن بين نفوذ إيران في لبنان وبين الضغوط الإسرائيلية، ضمن سياق مفاوضات متشابكة حول هرمز وهدنة لبنان والملف النووي؛ غير أن شكل مشاركة سوريا سيبقى قرارا سوريا أولا، وستؤثر فيه المواقف التركية بالدرجة الأساسية، والتي تعزز بقاء سوريا خارج أي دور عسكري أو أمني في لبنان.

نتائج لصالح تركيا على هامش القمة

على هامش قمة الناتو، وعلى خط واشنطن–أنقرة، برزت نتائج مهمة لا ترتبط مباشرة بجدول أعمال الحلف، لكنها متصلة بمسار العلاقات التركية–الأمريكية؛ فقد تمثلت الخطوة الأولى في رفع عقوبات “قانون مكافحة خصوم أمريكا” عن تركيا، التي فُرضت بعد شرائها منظومة “إس 400” من روسيا عام 2020، والثانية في التعهد بإعادة أنقرة إلى صفقة بيع طائرات “أف 35”. ومع أن هناك صلة بين الملفين، فإن رفع العقوبات لا يحسم بالكامل قضية “أف 35″، لكنه يزيل عقبة قانونية رئيسية أمام عملية البيع، وقد تعهد ترامب برفع العقوبات وبموقف إيجابي تجاه هذا الملف.

ويعتقد أنه جرى التوصل إلى صيغة مشتركة بين أنقرة وواشنطن تقضي ببيع منظومة “إس 400” لدولة خليجية، وذلك بعد أن أبدت روسيا موافقة مبدئية على فكرة نقلها إلى طرف ثالث في المحادثات الأولية مع تركيا. ومن زاوية أخرى، تتجه أنقرة إلى شراء أربعين طائرة جديدة من طراز “أف 16” من الولايات المتحدة، بعد التخلي عن برنامج تحديث الطائرات القديمة من النوع نفسه، كما ستتسلم ثمانين محركا أمريكيا لأربعين طائرة من نوع “كآن” التركية التي تنتجها محليا، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 700 مليون دولار، بالتزامن مع سعي تركيا للوصول إلى إنتاج محركها المحلي بحلول عام 2035. ولا يمكن قراءة هذه التطورات بين أنقرة وواشنطن على أنها تحول إستراتيجي مكتمل في العلاقة بين الطرفين، بقدر ما تمثل عملية تخفيف ضغوط وبداية لمرحلة جديدة قد تكتمل، وقد تتعرض للتعثر بفعل أي تطورات سياسية.

خاتمة

في المحصلة، تعكس قمة الناتو في أنقرة لحظة إعادة تموضع للحلف، وليست مجرد حلقة جديدة في سلسلة اجتماعاته الدورية؛ فهي من جهة كرّست أولويات الردع والدفاع الجماعي ودعم أوكرانيا، ومن جهة أخرى وسّعت خريطة الاهتمام لتشمل الشرق الأوسط وأمن الطاقة والملاحة، في ظل حرب مرشحة للاستمرار مع روسيا، وتوترات مفتوحة مع إيران. ولم يكن هذا التوسع ممكنا دون الدور التركي؛ إذ نجحت أنقرة في تقديم نفسها بوصفها منصة لاجتماع المصالح الأطلسية مع الهواجس الإقليمية، وفي استخدام موقعها الجغرافي وقاعدتها الصناعية لتثبيت حضورها داخل الحلف، مع الحفاظ على هامش مناورة في علاقاتها مع موسكو ودورها في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، أظهرت نتائج القمة أن مشروع «الناتو 3» يتقدم عمليًا عبر زيادة الأعباء الأوروبية وتطوير الصناعات الدفاعية، دون أن يتحول بعد إلى هوية معلنة للحلف، بفعل حساسية التوازن بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وقد فتحت قمة أنقرة باباً لمرحلة جديدة يتعين فيها على الناتو أن يثبت قدرته على إدارة استنزاف طويل الأمد مع روسيا، واحتواء تحديات إيران وأمن الطاقة، واستيعاب أدوار قوى إقليمية صاعدة مثل تركيا، من غير أن يفقد تماسكه المؤسسي أو يتحول إلى تحالف تثقله تعدد الجبهات ومحدودية الموارد، فيما لا يزال يعتمد إلى حد كبير على الدور الأمريكي سياسيًا واقتصاديًا، رغم محاولات تعزيز الشخصية الأوروبية وتقليل الاعتماد على واشنطن.

انتهى

رابط تحميل هذا التقرير PDF

المصدر: واحة السياسة

الوسوم
شارك:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة