
إحاطة سياسية دورية
| أولاً: الشأن الفلسطيني |
يدخل المشهد الفلسطيني مرحلة هي الأخطر منذ عقود، في ظل تكامل الأدوات العسكرية والاستيطانية والتشريعية لفرض واقع جديد يقوم على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية وتقويض أي بنية قادرة على الصمود.
ففي غزة، يستمر سقوط الضحايا رغم الحديث المتواصل عن ترتيبات ما بعد الحرب، فيما أعادت حادثة مقتل الطفلة وفاء عكيلة أثناء توجهها لتلقي دروس اليوم الأول من العام الدراسي، إبراز الفجوة بين المسار السياسي المطروح والواقع الميداني. وتعتبر حركة حماس أن استمرار القصف، بالتوازي مع صمت مجلس السلام وعدم إلزام الاحتلال بالاتفاقات التي جرى التوصل إليها، يعكس عجزاً عن تحويل التفاهمات السياسية إلى آليات تنفيذية قادرة على حماية السكان. وبالتوازي، تتجه ترتيبات قوة الاستقرار الدولية في غزة إلى مرحلة أكثر تحديداً، مع اقتراب بوروندي وأوغندا من المشاركة، بما قد يضيف نحو ألفي جندي. إلا أن نشر القوة لا يزال مرتبطاً بالتوصل إلى ترتيبات بشأن الانسحاب الإسرائيلي، ووضع سلاح المقاومة، وآلية إدارة القطاع.
وفي الضفة الغربية، يتواصل الضغط على البيئة الفلسطينية من خلال الاستيطان والعنف والقيود على الحركة. ويظهر مشروع «إي1» في قلب الصراع على الجغرافيا الفلسطينية، إذ يُنظر إلى تنفيذه باعتباره عاملاً يمكن أن يفصل القدس الشرقية عن أجزاء واسعة من الضفة ويحوّلها إلى مناطق منفصلة، بينما يذهب الطرح الإسرائيلي المرتبط بالمشروع إلى اعتباره وسيلة لدفن فكرة الدولة الفلسطينية.كما تكشف التطورات الميدانية في قصرة وغيرها أن التوتر لم يعد محصوراً في الاستيطان بوصفه توسعاً عمرانياً، بل يرتبط أيضاً بالعنف وقطع الخدمات والحركة وتشريد السكان، مع وجود نحو مئة بؤرة استيطانية غير مرخصة ناشطة، بالتوازي مع رفع الجيش مستوى جاهزيته وإضافة كتيبتين على الأقل تحسباً لتدهور الوضع.
وقد كشفت معطيات رسمية أن حكومة الاحتلال الحالية أقرت، منذ مطلع عام 2023 وحتى يوليو/تموز 2026، ما مجموعه 104 مستوطنات جديدة، منها 51 مستوطنة كاملة، و35 بؤرة استيطانية غير مرخصة جرى تحويلها إلى مستوطنات مستقلة، و17 حياً تابعاً لمستوطنات قائمة تحولت إلى مستوطنات مستقلة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تجاوز عدد البؤر الاستيطانية الجديدة 212 بؤرة منذ بداية الحكومة الحالية، بمعدل سنوي يناهز 64 بؤرة، مقارنة بمعدل سنوي أقل من 7 بؤر في الفترة بين 1996 و2022، وهو ما يعكس تسارعاً هائلاً في وتيرة الاستيطان.
ويأتي هذا التوسع مصحوباً بآلية جديدة تمثلت في البؤر الزراعية المخصصة لرعي المواشي، التي استخدمت كأداة وحشية للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي بعدد محدود من المستوطنين تحت حماية الجيش. وتسيطر هذه البؤر والمستوطنات الرعوية حالياً على نحو مليون و100 ألف دونم، تشكل 18% من مساحة الضفة، منها 750 ألف دونم تمت السيطرة عليها منذ وصول هذه الحكومة إلى السلطة.
أما في القدس، فقد بلغ عدد قرارات الإبعاد التي جرى رصدها بحق فلسطينيين من المسجد الأقصى منذ بداية العام 800 قرار، منها 15 قراراً خلال الأيام الستة الأولى من سبتمبر/أيلول، في مقابل 23 قراراً فقط خلال الشهرين السابقين. وتربط المعطيات هذا التصاعد باقتراب موسم الأعياد اليهودية، في حين بلغ عدد اقتحامات المستوطنين للمسجد منذ بداية العام وحتى نهاية أغسطس/آب 40,661 اقتحاماً.
وفي تطور ميداني يعكس تصاعد التوتر الأمني في الضفة، نفذ فلسطيني اليوم الاثنين عملية طعن قرب قرية أوصرين جنوب نابلس، أسفرت عن إصابة مستوطن إسرائيلي بجروح خطيرة نقل على إثرها مروحياً إلى المستشفى، قبل أن يلوذ المنفذ بالفرار. وعلى الفور، شرع جيش العدو في عمليات تمشيط وتعقب واسعة، وفرض طوقاً أمنياً وحظر تجول على قرى محيطة شرقي نابلس، فيما حاصرت قوات الاحتلال منزلاً في بلدة قبلان وأطلقت النار عليه ومنعت الإسعاف من الاقتراب، قبل أن تعلن مصادر إسرائيلية لاحقاً استشهاد منفذ العملية بعد التعرف على هويته عبر هاتفه العالق في موقع العملية.
وقد باركت حركة حماس العملية، وأشارت إلى أنها أتت كرد فعل مشروع على جرائم الاحتلال المتواصلة وقطعان مستوطنيه المتطرفين، ودعت جماهير الشعب الفلسطيني في الضفة إلى تصعيد المقاومة والاشتباك مع العدو، وتكثيف الجهود الشعبية والوطنية لمواجهة مشاريع الاستيطان والضم والتهجير.
وفي المقابل، أصدر وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو تعليمات للجيش بالاستعداد لـما اسموه حرب شاملة ضد الإرهاب في الضفة، متوعدين بحسم المواجهة سريعاً وبشكل كامل، وعدم السماح بانتفاضة تستمر سنوات.
وتتزامن هذه التطورات مع تحضيرات فلسطينية داخلية للاستحقاقات الانتخابية؛ فقد نشرت لجنة الانتخابات سجل الناخبين الابتدائي في الضفة، الذي يضم أكثر من مليون و620 ألف ناخب وناخبة، وفتحت مرحلة النشر والاعتراض في 443 مركزاً، قبل الانتقال إلى اعتماد السجل النهائي وبدء الترشح المقرر في 26 سبتمبر/أيلول. وفي الإطار التنظيمي، عادت حركة فتح إلى ترتيب بنيتها القيادية بانتخاب جبريل الرجوب أميناً لسر اللجنة المركزية، بالتوازي مع استمرار التحضيرات للانتخابات العامة ورفع الجاهزية التنظيمية في المحافظات.
يدخل النظام السياسي الإسرائيلي المرحلة الانتخابية وسط منافسة شديدة وتوازنات لم تستقر نهائياً. ويشير الاستطلاع الأخير إلى حصول حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت على 23 مقعداً مقابل 20 لليكود، فيما يبلغ معسكر نتنياهو 52 مقعداً مقابل 51 لمعسكر الأحزاب الصهيونية المناوئة له، مع أربعة مقاعد لتحالف هندل–زليخا ومجموع 13 مقعداً للقائمتين العربيتين.
وفي اختبار الملاءمة لرئاسة الحكومة، يتقدم آيزنكوت على نتنياهو بنسبة 38% مقابل 35%، بينما يحصل نتنياهو على 37% مقابل 32% لنفتالي بينيت لدى ناخبي معسكره. والأكثر دلالة أن 62% قيّموا سلوك نتنياهو في الساعات الأولى من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول بأنه غير جيد، مقابل 26% رأوه جيداً.
وترافقت هذه الأرقام مع إعادة ترتيب داخل المعسكر المعارض، بانضمام يحائيل تروبر إلى قائمة آيزنكوت، بينما تحالف يوعاز هندل مع يارون زليخا، فيما أعلنت أييليت شاكيد عدم خوض الانتخابات.
في المقابل، يتعرض ائتلاف نتنياهو لضغط مزدوج من الملف الفلسطيني والخلافات الداخلية. فقد أصدر نتنياهو توجيهات بإخلاء عدد من البؤر الاستيطانية التي يصنفها القانون الإسرائيلي غير قانونية، لكن بتسلئيل سموتريتش أعلن رفضه الصريح للخطوة، ما يكشف شرخاً داخل الائتلاف بشأن حدود التوسع الاستيطاني وآليات إدارته.
ويتقاطع ذلك مع تصاعد النشاط الاستيطاني نفسه، ومع محاولة المؤسسة الأمنية الاستعداد لاحتمال انفجار الضفة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى ارتفاع كبير في الإنذارات والمعلومات وعمليات الإحباط خلال الأشهر الأخيرة، وإلى أن جزءاً من التهديدات بات يستند إلى تنظيمات محلية وليس إلى مبادرات فردية فقط.
وعلى المستوى المجتمعي، تظهر مؤشرات ضغط أعمق من المجال السياسي المباشر. فقد غادر الأراضي المحتلة 1370 طبيباً لمدة عام على الأقل بين 2023 و2025، بزيادة قدرها 94% مقارنة بالفترة نفسها قبل عقد، فيما بلغ عدد الأطباء الذين غادروا ممن تزيد أعمارهم على 45 عاماً 281 طبيباً، أي نحو خمس هذه الفئة من المغادرين. كما فقد الكيان، بعد استبعاد العائدين، 509 أطباء خلال 2023 و2024، بمعدل 255 سنوياً، وهو ما يعادل نحو خمسة أضعاف المتوسط السنوي خلال العقد السابق.
وتضاف إلى ذلك أزمة اجتماعية داخلية متنامية حول نفوذ القطاع الحريدي، بما في ذلك الاحتجاجات على النشاطات أيام السبت، وتوترات مرتبطة بالتجنيد والتعليم ونمط الحياة، وهي قضايا تتداخل مباشرة مع تماسك الائتلاف وشكل الدولة والمجتمع.
أمنياً، تزداد درجة المخاطرة مع انتقال الكيان من إدارة جبهات منفصلة إلى اختبار سيناريو حرب متعددة الساحات. فقد بدأ الجيش مناورة مفاجئة لاختبار الاستجابة لهجمات متزامنة، وتفعيل قوات الاحتياط والعتاد وآليات اتخاذ القرار، بالتوازي مع رفع مستوى التهديد تجاه إيران والاستعداد لاحتمال تصعيد في لبنان.
| ثالثاً: الشأن العربي |
يتبلور الموقف العربي تجاه التطورات الفلسطينية بصورة أكثر وضوحاً في رفض التهجير ومحاولات إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية. فقد أعلنت السعودية والأردن والإمارات وقطر ومصر، إلى جانب تركيا وإندونيسيا وباكستان، رفضاً قاطعاً للتصريحات الإسرائيلية التي تطرح تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وحذرت من تحويل الدعوات إلى التهجير القسري إلى سياسة عملية. كما شددت هذه الدول على أن غزة جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى وحدة القطاع والضفة الغربية والقدس الشرقية، وربطت السلام الدائم بإقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ويأتي هذا الموقف في ظل إدراك عربي بأن أي تغيير ديموغرافي أو جغرافي في غزة والضفة سيؤثر مباشرة في مستقبل التسوية الإقليمية. ولهذا دعا الموقف المشترك مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته ومنع فرض وقائع جديدة، مؤكداً دعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم ورفض محو القضية الفلسطينية أو تقويض حقوقها.
وفي لبنان، ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة في بلدة كفررمان، حيث أسفرت غارة جوية استهدفت مبنى سكنياً من ثلاثة طوابق عن مقتل 9 أشخاص، بينهم رضيعان، وإصابة 5 آخرين، قبل أن تستهدف مسيّرة إسرائيلية سيارة إسعاف تابعة لكشافة الرسالة الإسلامية، ما أدى إلى استشهاد مسعفين كانا على متنها، ليرتفع إجمالي ضحايا الغارات الليلية في المنطقة إلى 10 شهداء و7 جرحى. وتزامن ذلك مع غارات أخرى طالت بلدات دير الزهراني والنبطية الفوقا وعربصاليم، حيث دُمر مستشفى صلاح غندور في النبطية الفوقا.
في المقابل، برر جيش الاحتلال هذه الغارات بأنها رد على إطلاق حزب الله مسيّرتين باتجاه جنوده في المنطقة الأمنية التي يقيمها في جنوب لبنان، معتبراً ذلك انتهاكاً لوقف إطلاق النار، بينما لم يتبنَّ الحزب أي استهداف.
وجاء هذا التصعيد الخطير، الذي وصفه الرئيس اللبناني جوزيف عون بأنه تجاوز لحدود الخروقات، ليؤكد فشل الاتفاق الإطاري المبرم بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، والذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني، مما دفع عون إلى المطالبة بالتحرك العاجل من واشنطن والمجتمع الدولي لوقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.
وفي اليمن، أعلنت القوات الحكومية اليمنية تنفيذ عمليات عسكرية على عدة جبهات، تخللتها اشتباكات عنيفة مع الحوثيين ومحاولات لاستعادة مواقع وإفشال عمليات تسلل، خصوصاً في تعز والساحل الغربي ومأرب.
وقالت القوات الحكومية إنها خاضت مواجهات بمختلف الأسلحة في محوري البرح والكدحة غربي تعز، فيما شهدت نقطة شراجة الاستراتيجية مواجهات عنيفة، وأعلن الجيش استهداف مركبة عسكرية مدرعة للحوثيين في مأرب. في المقابل، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز تابعة للسعودية في أجواء شمال غربي مقبنة بتعز.
وأكد وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي ورئيس مجلس القيادة رشاد العليمي مواصلة الجهود لاستعادة مؤسسات الدولة وكامل الأراضي اليمنية، محذرين الحوثيين من عواقب ما وصفوه بمغامراتهم، ومشددين على أهمية تعز في مواجهة مشاريع الجماعة وداعميها.
| رابعاً: الشأن الاقليمي |
يتجه الإقليم إلى مرحلة شديدة الحساسية بفعل تزامن التصعيد الإسرائيلي في لبنان وإيران مع التنافس التركي–الإسرائيلي في المنطقة. ففي المواجهة مع إيران، يحاول الكيان رفع مستوى الضغط والتهديد، بينما تبدو طهران حريصة على عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة تمنح نتنياهو فرصة لتوسيع الحرب وتحويلها إلى صراع إقليمي مباشر. وفي لبنان، جاء الرد المنسوب إلى حزب الله محدوداً حتى الآن، فيما يستمر الكيان في اختبار حدود الردع الإيراني.
ويحتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في هذا التصعيد. فقد أعلنت إيران أنها ستحدد منطقة بحرية محظورة حول المضيق والخليج، وأن السفن التي تدخلها من دون إذن ستدرج على قائمة العقوبات، فيما تحدثت عن اتفاق مع سلطنة عمان لتنظيم الدخول والخروج من المياه الخليجية.وتقول طهران إن إجراءاتها في المضيق ستزداد صرامة، وإنها اختبرت صاروخاً مضاداً للمدمرات ضد سفينة حربية أمريكية، في وقت نفذت فيه القوات الأمريكية ضربات على ناقلات نفط إيرانية وردت إيران باستهداف قطع بحرية أمريكية.وتكشف هذه التطورات انتقال المواجهة من تبادل الضربات إلى استهداف أدوات الحركة البحرية والطاقة والتجارة، بما يرفع التكلفة الاقتصادية لأي استمرار في التصعيد.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، كشف موقع «أكسيوس» أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تضع مسودة خطة للشرق الأوسط بعد الحرب مع إيران، تهدف إلى توجيه النهج الأمريكي في الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.وتتضمن الخطة ثلاثة عناصر رئيسية: إنشاء اصطفاف إقليمي بين حلفاء الولايات المتحدة لاحتواء إيران، على أن تكون الولايات المتحدة ضامناً لهذا الترتيب؛ وبذل جهود منسقة لإنهاء التداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من خلال تأمين المرحلة التالية من خطة ترامب بشأن غزة، والتوصل إلى اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وتنفيذ الاتفاق بين إسرائيل ولبنان؛ وتوسيع اتفاقيات أبراهام والتوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
وتأمل إدارة ترامب أن تكون أي حكومة إسرائيلية جديدة تتشكل بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول مستعدة للتعاون في تنفيذ هذه الاستراتيجية، لكن مسؤولين أمريكيين يشددون على أن ترامب سيدفع باتجاه تنفيذ الخطة بغض النظر عن نتائج الانتخابات، وحتى إذا أسفرت عن جمود سياسي. وحسب مصادر الصحيفة، فإن الفكرة هي ربط مجموعة كبيرة من القضايا في المنطقة ببعضها البعض، وتحديد كيفية إنشاء اصطفاف إقليمي بعد الحرب، رغم عدم وضوح موقف جميع حلفاء الولايات المتحدة من هذا التوجه.
| خامساً: الشأن الدولي |
تتزايد الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة حول إدارة الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية والعسكرية.في ظل تحذيرات من تحولها إلى حرب طويلة الأمد؛ إذ حذر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ليون بانيتا من احتمال استمرارها ستة أشهر إضافية، بما قد يجعلها حرباً مفتوحة بلا أفق واضح. في وقت تشير فيه المعطيات إلى اضطراب داخل البنتاغون واستقالات وإقالات وتحقيقات مرتبطة بتسريبات حول مخزونات الأسلحة والذخائر. وتكتسب هذه المسألة أهمية استراتيجية مع استمرار الضغط على المخزونات الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية والذخائر، وصعوبة تعويض الاستهلاك بالسرعة نفسها. كما أن استمرار الحرب يفرض على واشنطن موازنة التزاماتها تجاه إسرائيل وقواعدها في المنطقة مع احتياجات الردع تجاه الصين وروسيا.
ويتزامن ذلك مع تراجع المؤشرات السياسية الداخلية للرئيس دونالد ترامب. فقد أظهر استطلاع أن 33% فقط من الناخبين المسجلين يؤيدون أداءه، وهو أدنى مستوى منذ بدء القياس في مايو، فيما يرى 57% أن وضعهم المالي أصبح أسوأ، ويعارض 56% من الناخبين قرار فرض تعريفة جمركية بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار. كما يرى 46% أن ترامب يجعل فوز مرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي أكثر صعوبة، وترتفع النسبة بين المستقلين إلى مستوى يجعل موقعه الانتخابي الداخلي أكثر حساسية. وتربط المعطيات بين الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف الاقتراض والوقود والسلع، بما يجعل الحرب الخارجية جزءاً من النقاش الاقتصادي الداخلي الأمريكي.
وفي أوروبا، تتعمق المواجهة السياسية مع روسيا في ظل تراجع العلاقات الروسية–الألمانية إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفاض التجارة الثنائية بأكثر من عشرة أضعاف مقارنة بما كانت عليه، فيما يدفع فقدان مصادر الطاقة الروسية الرخيصة والاستقرار الاقتصادي السابق ألمانيا إلى تسريع التسلح والبحث عن محركات نمو جديدة. وفي الوقت نفسه، تتجه المفوضية الأوروبية إلى زيادة استثماراتها في غرينلاند في قطاعات المعادن الحيوية والاتصالات عبر الأقمار الصناعية والطاقة المتجددة، في مواجهة مطالب أمريكية بالسيطرة على الجزيرة، بما يعكس انتقال التنافس الدولي إلى مجالات الموارد الاستراتيجية والممرات القطبية.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تبرز محاولة أمريكية لدفع مسارات التسوية في أوكرانيا، مع حديث عن ضمانات أمنية واقتصادية وإمدادات دفاع جوي وحزمة دعم شتوية، بالتزامن مع اتصالات روسية–أمريكية–صينية محتملة، بينما تتصاعد في آسيا مؤشرات التنافس العسكري مع إعلان كوريا الشمالية توجهها لتحويل بحريتها إلى قوة مسلحة نووياً، بالتوازي مع مناورات أمريكية–يابانية–كورية جنوبية. ويؤكد ذلك أن البيئة الدولية لا تتحرك في اتجاه أزمة واحدة، بل نحو مجموعة أزمات مترابطة تتقاطع فيها الحرب والطاقة والتجارة والدين والتنافس على الموارد.
انتهى
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: بانوراما السياسة
مقالات مشابهة
- By منصة إرتقاء
- 3 Views
- By منصة إرتقاء
- 6 Views
- By منصة إرتقاء
- 9 Views
- By منصة إرتقاء
- 17 Views
- By منصة إرتقاء
- 22 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 3 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 6 Views
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 8 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 9 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 94 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 89 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 84 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 82 Views






