الصبر الجميل في وداع الشهداء: خنساوات غزة يصغن معجزة الثبات
في حضرة الشهادة في غزة، تنسلخ الدمعة من العين لتتحول إلى ترتيلة ثبات، وتخرج الآهات من الصدور مثقلة بالرضا، حتى تصرخ النساء:“حتى ترضى يا رب… حتى ترضى يا رب”.
تحت سماءٍ ملغومة بالموت من كل حدبٍ وصوب، تقف أم أمام جثمان فلذة كبدها، أو زوجها، أو سند أيامها، يودعنه بـ”الصبر الجميل” الذي تحول في هذه البقعة من الأرض إلى مدرسة يومية في فقه الكرامة.
تتمتم بعبارات الحب في أذنه؛ فهو سيسمعها لآخر مرة، وهي ستقولها له لآخر يوم… حتى اللقاء الأبدي.
زغاريد في مأتم الدم
أمام ساحات المستشفيات، وأمام ثلاجات الموتى، وحيث تفوح رائحة المسك الممزوجة بالبارود، تتجلى مشاهد تعجز البلاغة عن وصفها.
تمسح الأم الغزية الغبار عن وجه شهيدها، تقبله في جبينه، وتهمس في أذنه كأنه يتهيأ للنوم:
“الحمد لله الذي شرفني بجهادك وبشهادتك”.
ثم تلوح له: “الله معك يمّه”.
هذا ليس تبلدًا في المشاعر، بل ذروة الحب والإيمان.
إنه اللقاء الأخير الذي يجمع بين فيض الأمومة وحتمية الفداء.
في تلك اللحظة الفارقة، تتحول الجنازة إلى “عرس الشهادة” ، وتتحول الصرخة إلى زغاريد تقهر صدى الطائرات.
هذا ليس موتًا، وهذه ليست نهاية، هذا هو ” الارتقاء ”
ملامح من الصمود الإيجابي
وفي مشهدٍ لحبٍ أبدي، تتجلى زوجة الشهيد وهي تمسح الدم عن وجهه؛ فقد كان في دنياه بهيَّ الطلة، جميل المحيا.
تحتضن أطفالها اليتامى، وتعده بأن تكمل رسالته، وتربي جيلاً يحمل الحلم ذاته.
تحيطه برسائل الحب وتقول:
“يا رب، رضيتَ عنه يا حبيبي، ولنا لقاء عند سدرة المنتهى”.
أما تلك الابنة التي تحمل يد والدها الباردة، وفي يدها الأخرى بارودته، فتعده بأن تظل متفوقة في دراستها، صامدة في أرضها، وأن يبقى الجهاد طريقها بلا تحييد.
نساء غزة لا يملكن ترف الانهيار؛ فالبيوت المهدمة تنتظر البناء، والأطفال الجياع ينتظرون الأمل، والوطن الجريح يستمد من عيونهن القوة.
فلسفة “الصبر الجميل”
إن الصبر الجميل الذي تخطه نساء غزة بدموعهن ودماء أحبتهن ليس استسلامًا للواقع هو فعل مقاومة مستمر.
إنه الرفض المطلق للانكسار أمام آلة الحرب.
حين تقف المرأة وسط أنقاض بيتها لتعلن رضاها بقضاء الله و تشبثها بأرضها، فإنها تهزم العدو في وعيه، وتثبت أن الأجساد قد تفنى، لكن الإرادة لا تُقهر.
قدوتهن في ذلك سيدات ذكرهن القرآن في عز المحن والابتلاءات؛ فأمنا مريم وأمنا هاجر لم يكن لهما سند إلا الله حين اشتد البلاء.
تنطلق من هنا القوة الروحية للمرأة الغزاوية من منظومة إيمانية تعيد تعريف مفهوم “الفقد”، وتحرره من دلالات العدمية والأنين.
فالفقد في الوجدان الغزاوي هو انتقال مؤقت يربطه جسر الشهادة حتى يصل للنجاة الحقيقية في دار الخلود .
هذا الإدراك الفلسفي يحول صدمة الموت المفاجئ إلى لحظة عبور نحو حقيقة أسمى، حيث يُنظر إلى الراحلين كأحياء عند ربهم يُرزقون كما ذكرهم القرآن الكريم .
ذلك اليقين يمنح الماجدات شبكة أمان نفسية تحميهن من الانهيار، وتحول الحزن الانكساري إلى حزن رسالي يملأ القلوب بالسكينة والرضا بالقدر.
ويتجلى “الصبر الجميل” في مواقف الوداع، حين تتحول مآتم التشييع إلى ساحات لتجديد العهد والثبات.
فهذا الصبر يمثل أداة تحدٍّ واعية تكسر أهداف الاحتلال الساعية إلى كسر الإرادة الفلسطينية.
إنها فلسفة تقوم على أن الجسد قد يُستهدف، لكن الروح واليقين يظلان خارج حدود الهزيمة والانكسار.
تجذر الهوية والارتباط بالأرض
يرتبط اليقين الإيماني لنساء غزة ارتباطًا وثيقًا بقدسية الأرض والهوية.
فالكلمات الحاضرة دومًا: “صامدون… لن نبرح”، تعكس عقيدة راسخة ترى في البقاء على أرض فلسطين واجبًا دينيًا ووجوديًا.
المرأة الغزاوية تدرك تمامًا دورها كحارسة للبقاء، ومربية للأجيال على الثبات، وصانعة للصمود؛ لذا يصبح تقديم التضحيات جزءًا من معركة الوجود المستمرة، ويتحول البيت المهدّم إلى رمز للتمسك بالجذور لا للرحيل.
إن يقين ماجدات غزة وسلطان صبرهن يمثلان اليوم مدرسة فلسفية وإيمانية فريدة، تثبت للعالم أن القوة الروحية المستمدة من العقيدة الحقّة قادرة على هزيمة أعتى ترسانات القتل والتدمير، وأن الصبر الجميل هو السلاح الأعظم في وجه الفقد والغياب.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






