حارسات الحقيقة: سلطان الكلمة في قلب العاصفة
دور الإعلاميات خلال الإبادة
برز دور الإعلام في حرب الإبادة على قطاع غزة بوصفه خط الدفاع الأخير عن الوعي والذاكرة، وفي قلب هذه المواجهة، وقفت الإعلاميات “حارسات الحقيقة”، يحملن الكلمة في وجه آلة القتل، وينقلن صوت الضحايا من تحت الركام، حيث شكّل حضورهن عنصرًا محوريًا في توثيق الجرائم وكشف المعاناة الإنسانية.
فقد عملت كثير من الصحفيات والمراسلات والمذيعات تحت القصف، متنقلات بين المستشفيات ومراكز النزوح والشوارع المدمرة، وواجهن تحديات مضاعفة؛ فإلى جانب أخطار الحرب المباشرة من قصف وتهديد واستهداف، راح ضحيته ما يقارب أربعين صحفية، في واحدة من أكثر الحروب دموية بحق الصحفيين في التاريخ المعاصر.
ومع ذلك، استمرت الرسالة، وبقيت الكلمة أقوى من محاولات إسكاتها، فقد تحملن أعباءً نفسية وإنسانية قاسية، كثيرات منهن فقدن بيوتهن أو أفرادًا من عائلاتهن، ثم عدن إلى الميدان ليواصلن نقل الحقيقة، وهنا تتجلى عظمة الدور؛ إذ لم يكن العمل الإعلامي بالنسبة لهن مجرد وظيفة، بل رسالة أخلاقية ووطنية وإنسانية.
وفي هذا السياق، تبرز شهادة الصحفية نور أبو ركبة التي انضمت إلى طاقم قناة الجزيرة على إثر استشهاد عدد كبير من مراسلي القناة خلال الحرب. ورغم المخاطر الهائلة، تقدمت الصفوف لتؤدي واجبها الصحفي، واصفةً تفاصيل الحياة اليومية للإعلاميين تحت الإبادة، إذ تقول: “في كثير من الأحيان لم نستطع النوم، وكنا نضطر للتحرك للتغطية في منتصف الليل، واجهنا معاناة كبيرة في شحن معداتنا وهواتفنا، وعشنا مع شعبنا المجاعة والخوف والقصف، ونزحنا عشرات المرات، وتفرقنا عن أهلنا؛ فكان أهلي في الجنوب وأنا في الشمال، ولم نحظَ حتى بوداع الشهداء من ذوينا”.
ومن جانبها، تحدثت الصحفية ربا العجرمي، مراسلة قناة TRT عربي، عن معاناة الأم الصحفية خلال الإبادة، مؤكدةً أن الألم كان مضاعفًا حين تضطر الأم إلى الابتعاد عن أطفالها في وقت يحيط بهم الخوف والقصف من كل اتجاه. وأشارت إلى أنها انهارت أكثر من مرة على الهواء مباشرة بعد وصول أخبار عن قصف أماكن يتواجد فيها أبناؤها، مضيفةً أنها في إحدى المرات أنهت التغطية وانطلقت مسرعة إلى الموقع المستهدف، لتجد المشهد “كأنه يوم القيامة”، ثم راحت تبحث بين الركام والناس عن أطفالها الذين لم يتجاوزوا الخامسة من العمر، حتى وجدتهم في حالة من الصدمة والهلع وقد تشبثوا بها بشدة. وتكشف هذه الشهادات الوجه الإنساني العميق لمعاناة الإعلاميات، اللواتي كنّ يعشن القصة ذاتها التي ينقلنها للعالم.
كما ساهمن في كسر الرواية الأحادية، من خلال نقل القصص الإنسانية التي غالبًا ما تغيب خلف لغة السياسة والأرقام، فأظهرن معاناة الأطفال، وصمود الأمهات، وآلام النازحين، وأحلام الناس البسطاء بالحياة والكرامة.
لقد أعادت الإعلاميات للضحايا أسماءهم ووجوههم وحكاياتهم، ومنعن تحويلهم إلى مجرد أرقام أو مشاهد عابرة في نشرات الأخبار، ولم يقتصر تأثيرهن على الإعلام التقليدي، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث استطاعن إيصال الحقيقة إلى ملايين الناس حول العالم بصورة مباشرة وسريعة، متجاوزات القيود و محاولات التعتيم. فتحولت بعض الحسابات الإعلامية إلى أرشيف حيّ للإبادة، وشكلت جسرًا بين الميدان والرأي العام العالمي.
إن الإعلاميات خلال الإبادة لم يكنّ مجرد ناقلات خبر، بل كنّ شاهدات عصر، وصانعات وعي، وحارسات للذاكرة الجماعية، وقد أثبتن أن المرأة حين تحمل رسالة الكلمة تصبح قادرة على صناعة أثر يتجاوز حدود الزمان والمكان.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






