اقتصاد الصمود وهندسة البقاء.. ابتكارات الحياة في زمن التجويع
“بنعجن من القهر خبز، ونصنع من الخيمة وطن، غزة لا تموت لأن فيها أمهات يُرضعن الصبر قبل الحليب” تختزل هذه العبارة المقولة الفلسفية الأعمق لحرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة، هنا لم يعد الطهي مجرد ممارسة يومية لتلبية حاجة بيولوجية، بل تحول إلى خط جبهة أمامي تقوده النساء بذكاء استثنائي وفطرة تنظيمية قهرت المستحيل.
حينما تحولت لقمة العيش إلى سلاح حرب، وأصبح شح الموارد حصاراً يطبق على الأنفاس، لم تستسلم المرأة الغزية لواقع الفناء، بل أطلقت ما يمكن تسميته “ابتكارات البقاء”، وهي منظومة متكاملة من التدابير الذكية لإدارة الندرة الشديدة، وإطعام العائلات بأقل الموارد المتاحة في مواجهة مجاعة ممنهجة تم هندستها بدقة لإبقاء السكان على حافة الموت.
فما إن غاب الدقيق الأبيض، حتى اتجهت المرأة الغزية لابتكار حلول للمادة الحيوية الأولى ألا وهي الخبز، فصنعت النساء من أعلاف الطيور والحيوانات قوتاً للبشر، فطحنَّ الشعير والذرة وصنعن منها أرغفة الخبز، بعد تجارب ومحاولات مريرة ومضنية للتغلب على خلو هذه الحبوب من مادة “الغلوتين” وصعوبة تماسكها، لتنجح في النهاية بسد رمق صغارها، ومنح كبار السن شيئاً من القوة لمواصلة الثبات.
وعندما غابت الخضروات، التفتت المرأة الغزية إلى الأرض، وجعلت من نباتاتها البرية موائد للصمود، فمن عشبة الخبيزة، ابتكرت النساء طبخات مختلفة، فمنها طبقها التقليدي، ومنها ما صُنع بأسلوب يحاكي “الملوخية”، وثالث يحاكي طبق “السماقية” الغزي الشهير، أما عشبة الحميّض فجُمعت من باطن الأرض لتُصنع منها فطائر شهية تشبه فطائر السبانخ، وفي ابتكار لافت، استبدلت النساء ورق العنب المفقود بورق شجر التوت الأخضر، وأعددن منه اشهى المحاشي.
ومع دخول المعلبات كخيار وحيد، لم تقف المرأة الغزية عند رتابتها، بل أعادت تدوير اللحوم المعلبة لتصنع منها أطباقاً تحاكي المفقود، تارة كحشوات للمعجنات، وأخرى إلى شرائح تحاكي “الستيك” و”السنيتشل”، ومع إضافة الثوم والفلفل الأحمر، طُبخت المعلبات لتأخذ طعم وقوام “الطحال”، أما عند بشرها ولفها، أعدت منها “الشاورما” و”العرايس”.
ومن معلبات التونة، أُنتجت ما يعرف بالـ”زبادي” بالصلصة الحارة، وأخرى بالطحينة والليمون، أما معلبات الصلصلة فقد صنعن منها “قلاية بندورة” فيما تحوّلت حلاوة الطحينية إلى بديل للشوكولاتة لإسعاد الأطفال.
وحتى المرق المفقود، صُنع من الماء وقليل من البهارات والماجي وأعددن طبق “الفتّة” الذي زُيّن بالخبز المقلي كبديل مبتكر للفستق.
وفي موجة المجاعة الثانية التي ضربت القطاع عام 2025، تربع “العدس” على رأس المائدة، وبإبداع نسائي خالص، صُنع من العدس والمعكرونة المطحونة خبزاً بديلًا، كما اشتققن منه الشوربة، والمجدرة، وحتى المقرمشات لتغذية الأطفال.
جلّ هذا الصمود الغذائي كان يجري في ظل انقطاع كامل لغاز الطهي، ما دفع النساء للعودة إلى الوسائل البدائية وإشعال النار، وهنا برز “كانون الصفيح”، أو ما أطلقت عليه العائلات “كانون الصبر”، لما يتطلبه إشعال النار فيه من جهد ونفخ طويل لعدة ساعات، مستخدمين الأخشاب، والأوراق، وحتى الملابس البالية.
وما إن شارف الحطب على النفاد، حتى عالجت الواقع باختراع “بابور النار”، وهو جهاز محلي الصنع يعتمد على أوعية معدنية يتم إشعالها وتوجيه النار فيها عبر مروحة هوائية صغيرة، وتُغذى بشرائح البلاستيك وقصاصات الحطب الصغيرة لإبقائها مشتعلة، رغم الدخان الأسود الخانق الذي يعمي العيون ويملأ الصدور.
ورغم الشحّ الشديد والإنهاك الجسدي، لم تنكفئ المرأة الغزية على ذاتها أو تتقوقع حول عائلتها الصغيرة فقط، بل سعت بكل قوة لمد يد العون لمن حولها ضمن شبكات تكافل اجتماعي مبهرة، فقامت النساء بإعداد الخبز وطبخ أطباق المفتول والمعجنات بما توفر وتوزيعه على النازحين، في تجسيد حي للآية الكريمة: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، هذا التكافل الأسطوري كان الركيزة الأساسية التي أفشلت مخطط الإبادة وسلاح التجويع.
هكذا قادت ولا تزال المرأة الفلسطينية في قطاع غزة شؤون حياة عائلتها ومجتمعها، قاومت الحصار المطبق الذي فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
لم تكن المرأة الغزية مجرد ضحية في طوابير المساعدات، بل كانت مهندسة البقاء، والقائد الاقتصادي لأقسى معركة تنكير برية عرفها التاريخ الحديث، لقد صنعت من الخيمة وطناً، ومن الرماد ناراً، ومن الجوع صبراً تورثه للأجيال، لتبقى غزة بأمهاتها ونسائها حية لا تموت.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






