ذريعة الأمن أم سياسة العقاب الجماعي؟
“لأسباب أمنية“، الحجة المكذوبة لسلب الأرض والحرية
عام ١٩٧٠، كتب محمود درويش في مذكراته:“تريد أن تذهب إلى القدس؟
ترفع سماعة التليفون، وتطلب ضابط المهمات الخاصة في دائرة الشرطة، ترجوه أن يعطيك تصريحاً للسفر ليوم واحد بدون مبيت، يقول لك: قدم طلباً خطياً، تقدم الطلب الخطي
وتنتظر الجواب، يوماً.. يومين.. ثلاثة أيام،
يقولون: تعال إلينا بعد ساعة لتتسلم الجواب، تذهب، فتجد المكتب مغلقاً، تغضب وتقرر -بغباء- أن تنتقم من “أمن الدولة”، وتذهب.
في اليوم التالي يستدعونك للمثول أمام محكمة عسكرية عاجلة، بتهمة دخولك القدس، حكموا عليك بالسجن لمدة شهرين، وفي السجن، تغني للوطن..وتقرأ مقالات عن الديموقراطية، وتقرأ رواية ((الحرية أو الموت)) فلا تحرر نفسك.. ولا تموت”
في تلك السطور، وصف الكاتب حالة الفلسطيني المسجون داخل وطنه المحتل، يسومه الحكم العسكري بكل أصناف التعذيب اليومي، بقوانين خرقاء تصل حدّ الغباء ومعارضة المنطق نفسه، وبين عذابات درويش في محاولة دخول القدس التي يفصلها عنه أقل من كيلومترين، وسور، وعذابات المصلين الذين يقفون خارج أبواب المدينة المحرومة من صلاتها، عقود وأجيال، لكن المحتل هو ذاته، بذات الصلف والدجل، وشعوذة “القوانين” التي لم توضع سوى لمآربه، وخلف كل ذلك حكاية طويلة، و”قانون”!
عام ١٩٤٨، وبعد احتلال فلسطين مباشرة، وقيام دولة الاحتلال، فُرض الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين داخل أراضيهم، بعد قيام دولة إسرائيل، واعتمدت قوانين حكمها العسكري على أنظمة الطوارئ التي ورثتها من الانتداب البريطاني، والتي منحت سلطات واسعة للجيش مثل: فرض حظر التجول، والاعتقال الإداري دون محاكمة، وتقييد الحركة بين القرى والمدن، ومصادرة الأراضي وبذلك أصبح الفلسطينيون الذين بقوا داخل ما أصبح يسمى إسرائيل يحتاجون إلى تصاريح للتنقل والعمل، ويخضعون لرقابة أمنية مشددة.
وكما ذكر درويش في قصته التي رواها، كان الاحتلال يمارس -بالقانون- كل أشكال التضييق على الفلسطينيين، فلم يكن مسموحًا للفلسطيني أن يغادر قريته أو مدينته إلا بتصريح من الحاكم العسكري، فالذهاب إلى العمل، الدراسة، أو حتى زيارة أقارب كان يحتاج موافقة مسبقة، ومن يُضبط دون تصريح يُعتقل أو يُغرَّم، وطوال عقود، كانت القرى والمدن تُطوَّق بحواجز عسكرية، ويُفرض حظر تجول لساعات أو أيام، وبشكل مفاجئ، وأي خرق لحظر التجول كان يُواجَه بإطلاق النار، كما كان بتم اعتقال الأشخاص دون تهمة أو محاكمة لفترات طويلة، أو بتهم سخيفة وغير منطقية، أما درة تاج قوانين “الطوارئ” فكانت إعلان مناطق واسعة كـ“مناطق عسكرية مغلقة”، يُمنع أصحابها من الوصول إليها، ثم تُصادَر لاحقًا.
ذلك الحكم العسكري لم يكن مجرد “إدارة أمنية”، بل نظام سيطرة شاملة، يحدد أين تذهب، متى تتحرك، كيف تعمل، وما الذي تملكه؟
ورغم أن قانون الحكم العسكري تم إنهاؤه رسميًا عام 1966، فإن كثيرًا من أدواته، خصوصًا قوانين الطوارئ، لا زال استخدامها مستمراً، بأشكال مطابقة، أو مختلفة، فما نراه اليوم من إغلاقات متكررة للمسجد الأقصى، بذرائع أمنية متنوعة، ليس سوى الصورة الأوضح للقوانين العسكرية؛ فمنذ عام ١٩٦٩، تم إغلاق المسجد الأقصى إغلاقاً شاملاً، ثماني مرات، بحجج “أمنية”، تراوحت بين ساعات، وصولاً لأسابيع، وكل ما تدعيه قوات الاحتلال من أسباب لتبرير الإغلاق، ليس إلا ذريعة لإخفاء حقيقة إحكام السيطرة، حيث بعد انتهاء الإغلاق الكامل، تتم إعادة فتحه بواقع جديد، وتضييق أكبر: عدد مصلين محدود، فئات محدودة، تثبيت تقسيم المسجد زمانياً وقت للمسلمين ووقت للمستوطنين، انتشار أمني دائم من خلال حواجز وتفتيش، وتحكم كامل بالمداخل.
منذ وصوله إلى أرض فلسطين، لم يكن الاحتلال سوى لص في زي دولة، دولة تسوغ الإجرام والكذب بالقانون.
القانون الذي لا يمكن حتى للعقل شرحه، كما يروي درويش:
“تطلب جواز سفر، فتكتشف أنك لست مواطناً، ، لأن أي عربي ترك بلاده في حرب التهجير، وعاد إليها، قد فقد حقه في الجنسية. تيأس من جواز سفر، وتطلب جواز مرور، فتكتشف أنك لست مقيماً في إسرائيل، لأنك لا تحمل شهادة إقامة، تحسب الأمر نكتة، فتسرع لصديقك المحامي: لا أنا مواطن هنا – ولا أنا مقيم، فأين أنا؟، فتفاجأ بأن قانونهم ينص على ذلك، وبأنه يترتب عليك أن تبرهن وجودك، تقول لوزارة الداخلية: أنا موجود أم غائب؟ أعطوني خبيراً في الفلسفة لأثبت له أنني موجود، ثم تدرك أنك موجود فلسفياً، وغائب في القانون!”
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






