حراس الذاكرة.. كيف حوّل المقدسيون الحصار إلى استراتيجية بقاء؟
في أزقة القدس القديمة، تتجسد المقاومة في تفاصيل اليوم العادي؛ حيث يواجه المقدسيون حصار الأمكنة وعتمة الأبواب الموصدة بروحٍ صامدة، محولين كل قيدٍ إلى دافعٍ جديد للبقاء.
لقد أراد الاحتلال من سياسة الإبعاد القسري وأوامر المنع الإدارية التي طالت المرابطين والمرابطات وحراس المسجد الأقصى المبارك خلال الشهور القليلة الماضية، أن يخلق وحشةً داخل ساحاته، مراهنًا على أن المسافة ستميتُ الانتماء.
لكن الواقع الميداني في أزقة البلدة القديمة كان يروي حكاية أخرى؛ فحين أُغلقت الأبواب، اتسع الميدان، واستحال كل زقاقٍ يؤدي إلى القبلة الأولى محرابًا مفتوحًا تحت السماء؛ في رسالة تحدٍ واضحة مفادها أن الروح التي تسكن المسجد لا يمكن حبسها خلف قضبان الحديد، وأن السيادة الشعبية الفلسطينية على المكان لا تقبل القسمة.
خلف هذه المشاهد الصامدة، تتجلى تفاصيل إنسانية عميقة؛ شيوخٌ لم تثنِهم تجاعيد الزمن عن الركوع في مواجهة فوهات البنادق، وشبابٌ يحولون صمت الأزقة إلى ضجيجٍ بالتكبير والصلوات الجماعية، ومرابطاتٌ يُعلمن القرآن عند عتبات الأبواب المطلة على القبة الذهبية.
هنا يبرز وعي المقدسيين في تحويل صلاة الأبواب من اضطرارٍ إلى استراتيجية مواجهة؛ فالتجمهر عند باب السلسلة وطريق الواد ليس مجرد تجمعٍ للمصلين، بل هو إعلان سيادةٍ شعبي يثبت أن الحواجز والأسوار والقيود العمرية تعجز عن عزل المقدسي عن قبلته الأولى.
هذه المحاريب المفتوحة تحت السماء ليست مجرد بديلٍ اضطراري، بل هي إعلانٌ بأن الأقصى لا يُفرغ، وأن محاولات التفريغ الالتفافية تتبدد أمام إصرار أهل الأرض على شد الرحال، مهما بلغت التضحيات.
إنها معركة “عمار الأرض وحراس الذاكرة” الذين يرفضون الانصياع لمخططات التفريغ؛ فكل سجدة على رصيف هي مسمار في نعش التهويد، وكل “شَد رحالٍ” رغم المنع هو تأكيدٌ على أن السيادة في القدس ليست لمن يملك السلاح، بل لمن يملك الذاكرة والحق.
هؤلاء المرابطون، بصمودهم خلف الأبواب الموصدة، يثبتون أن الحق لا يُستلب بالقوة، وأن الذاكرة الحية للمقدسيين هي حائط الصد الأخير الذي يحمي المسجد من غطرسة الاحتلال، لتظل القدس شامخةً بجباه الساجدين الذين لم يثنِهم البعد عن لثم ثرى مدينتهم المقدسة.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






