الأسرى الفلسطينيون: حين تتحول الزنازين إلى مقابر بطيئة
لم يعد ممكناً التعامل مع ما يحدث للأسرى الفلسطينيين بوصفه “تجاوزات” داخل سجون الاحتلال، لأن حجم الوقائع وتكرارها يكشف أننا أمام سياسة كاملة تُدار بوعيٍ سياسي وأمني، هدفها ليس فقط كسر الأسير، بل إعادة تعريف الفلسطيني نفسه: إنسان يمكن تعذيبه، تجويعه، عزله، وتركه يموت، دون أن يهتز النظام الدولي أو تتحرك الأنظمة العربية بما يوازي حجم الجريمة.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط إعدام الأسرى جسدياً، بل محاولة قتلهم معنوياً وإنسانياً قبل ذلك بوقت طويل. فالأسير الفلسطيني لا يُسجن لأنه ارتكب فعلاً جنائياً بالمعنى التقليدي، بل لأنه جزء من شعب يرفض الخضوع. لهذا تتحول الزنزانة إلى مساحة انتقام مفتوحة، يُمارس فيها كل ما يمكن أن يسحق الروح: الإهمال الطبي المتعمد، التجويع، العزل الطويل، الضرب، الإذلال، الحرمان من الزيارة، وتحويل الإنسان إلى رقم ينتظر موته البطيء خلف الجدران.
الإعدام هنا لا يأتي دائماً بصورة مباشرة، لأن الاحتلال أدرك أن الموت البطيء أقل كلفة سياسياً من الرصاصة الواضحة. أن تترك أسيراً مريضاً يذبل دون علاج، أو تدفع جسده إلى الانهيار تحت التعذيب والإهمال، يعني أنك تمارس شكلاً آخر من القتل؛ قتلاً يحتاج وقتاً أطول فقط، لكنه لا يقل وحشية. وهنا تكمن بشاعة المشهد: العالم يرى ذلك كله، لكنه يتعامل معه كخبر عابر في نشرات المساء.
الأنظمة العربية ليست خارج هذا المشهد، بل جزء من صمته الكبير. فالكثير من الحكومات لم تعد تخشى مشهد الأسير الذي يموت في زنزانته بقدر ما تخشى إغضاب القوى الكبرى أو تهديد مصالحها السياسية والاقتصادية. لقد انتقلت بعض الأنظمة من مرحلة العجز إلى مرحلة التكيّف الكامل مع الجريمة، حتى أصبح الصمت موقفاً سياسياً مستقراً، لا ارتباكاً مؤقتاً.
الفظاعة الحقيقية أن الأمة التي كانت ترى في الأسير رمزاً للكرامة، أصبحت محكومة بأنظمة تدير القضية بمنطق العلاقات العامة: بيانات باردة، إدانات شكلية، وصمت طويل يُغلَّف بلغة الدبلوماسية. وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يموت بهدوء كي لا يربك توازنات المنطقة.
أما العالم الغربي، الذي بنى خطابه الحديث على حقوق الإنسان والحرية والكرامة، فقد كشف مرة أخرى أن هذه القيم ليست عالمية كما يدّعي، بل انتقائية تُستخدم حين تخدم النفوذ السياسي. فحين يتعلق الأمر بفلسطين، يصبح القانون قابلاً للتأجيل، وتتحول الجرائم إلى “تعقيدات”، ويصبح موت الأسير مجرد تفصيل صغير لا يستحق أزمة دبلوماسية.
الأخطر من الجريمة نفسها هو اعتيادها. حين يرى العالم صور الأسرى المعذبين والجائعين والمقيدين، ثم يواصل حياته بشكل طبيعي، فهذا يعني أن الإنسانية تدخل مرحلة خطيرة من التبلد الأخلاقي؛ مرحلة لا يعود فيها السؤال: كيف نوقف الظلم؟ بل: إلى أي مدى يمكن احتمال المزيد منه؟
إن قضية الأسرى لم تعد فقط معركة حرية، بل معركة على معنى الإنسان نفسه. لأن العالم الذي يقبل بموت الأسرى تحت التعذيب أو الإهمال، ثم يواصل الحديث عن الحضارة والقانون، هو عالم يعاني من انهيار أخلاقي عميق مهما بدا متقدماً ومتحضراً.
وفي النهاية، قد لا يكون أكثر ما يخيف الأسير الفلسطيني هو السجّان، بل ذلك العالم الذي تعلّم كيف يشاهد الألم دون أن يشعر بالخجل. لأن الجريمة حين تتكرر بلا حساب، لا تكشف فقط قسوة القاتل… بل تكشف موت الضمير الإنساني على نطاق عالمي.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






