
إحاطة سياسية دورية
| أولاً: الشأن الفلسطيني |
يتحرك المشهد الفلسطيني على مسارين متوازيين: تصعيد ميداني متواصل في غزة والضفة الغربية، بالتزامن مع اشتداد النقاش حول إعادة ترتيب البيت السياسي والمؤسساتي الفلسطيني.
ففي قطاع غزة، تواصلت الغارات وعمليات النسف وإطلاق النار، وواصلت قوات الاحتلال خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار، مستهدفة مناطق شرق خان يونس وشرق دير البلح وشرق مدينة غزة، إلى جانب مناطق متفرقة من شمال القطاع ووسطه وجنوبه. وسقط شهيد وأصيب آخرون، الخميس، جراء إطلاق النار باتجاه المواطنين في شمال القطاع، فيما انتشلت طواقم الإنقاذ جثامين أربعة شهداء من عائلة أحمد بعد تدمير منزلهم في مشروع بيت لاهيا بقصف جوي إسرائيلي. وفي مخيم جباليا، أصيب مواطنون جراء إطلاق نار كثيف من الآليات والمسيّرات باتجاه مراكز الإيواء وخيام النازحين، بالتزامن مع قصف مدفعي للمناطق الشرقية وتحليق منخفض للطيران المروحي شمال شرقي القطاع.
وامتد التصعيد إلى مدينة غزة، حيث استهدف القصف المدفعي مناطقها الشرقية بالتزامن مع إطلاق نار من الدبابات، فيما شهد الجنوب إصابات، بينها حالة حرجة، جراء قصف مسيّرة شارع الطينة في مواصي القرارة شمال خان يونس، بالتزامن مع إطلاق النار بكثافة شرقي مدينة حمد، وإطلاق الزوارق الحربية النار باتجاه بحر خان يونس. وبذلك شملت الخروقات مختلف مناطق القطاع، وأبقت مئات آلاف النازحين في مراكز الإيواء والخيام أمام تهديد أمني مستمر رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
ونعت كتائب الشهيد عز الدين القسام القائد فرح أحمد عبد المجيد حامد، عضو مجلسها العسكري في الضفة الغربية، الذي قالت إنه استشهد في عملية اغتيال استهدفته غربي مدينة غزة في التاسع من سبتمبر/أيلول 2026. ووفق البيان، كان حامد من عناصر خلية سلواد القسامية التي نفذت تسع عمليات خلال انتفاضة الأقصى أسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين، غالبيتهم من الجنود، وإصابة آخرين، كما واصل نشاطه بعد انتقاله إلى قطاع غزة عقب تحرره من سجون الاحتلال ضمن صفقة وفاء الأحرار. وربطت الكتائب استشهاده باستمرار استهداف قيادات وعناصر المقاومة، مؤكدة مواصلة نهجها وداعية شبان الضفة إلى الدفاع عن أرضهم وحقوقهم.
وفي الضفة الغربية والقدس، اتسعت العمليات الإسرائيلية بالتزامن مع اعتقال أكثر من 30 فلسطينياً في القدس والضفة بزعم التخطيط لهجمات، وتقديم لوائح اتهام بحق خمسة من سكان القدس وكفر عقب. كما شهدت نابلس وقلقيلية استشهاد ثلاثة فلسطينيين برصاص الاحتلال، بالتزامن مع عملية واسعة في عناتا ومخيم شعفاط شرقي القدس شاركت فيها قوات كبيرة من الجيش والشرطة والمخابرات، وقُدرت بنحو 50 آلية عسكرية، مع فرض حظر تجول وإغلاق مداخل المنطقة. كما اقتحمت القوات الإسرائيلية مقر لجنة زكاة طولكرم واعتقلت عدداً من عمال غزة، وعُثر بعد انسحابها على جثمان أحد العمال، فيما تواصلت المداهمات وعمليات الهدم في مسافر يطا جنوب الخليل. وفي جنوب نابلس، استشهد محمود محمد عربي محسن، 34 عاماً، بعد محاصرة منزله، عقب تعرض مستوطن للطعن وإصابته بجروح خطيرة.
ويأخذ الاستيطان بعداً أكثر ارتباطاً بالمنظومة الأمنية والعسكرية؛ إذ تشير المعطيات إلى أن التوسع الاستيطاني بات عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل انتشار الجيش في الضفة، مع توسيع المستوطنات والبؤر والمزارع للمساحات والطرق التي يتولى الجيش تأمينها. وقد ارتبط توسيع 104 تجمعات و150 مزرعة استيطانية بزيادة القوات، فيما أُنشئت 231 بؤرة ومزرعة منذ نهاية 2022 وسيطرت على أكثر من مليون دونم. كما استُدعي 5,500 مستوطن من الاحتياط بعد 7 أكتوبر، ووُزعت نحو سبعة آلاف بندقية، ما أدى إلى تداخل متزايد بين أدوار الجندي والمستوطن وفرق الطوارئ ومنسقي الأمن المحليين. وسُجل أكثر من 1,800 هجوم استيطاني عام 2025، أسفر عن إصابة 838 فلسطينياً، بينما بلغ معدل الهجمات 6.6 يومياً خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، واقتُلع أو هُجّر 4,349 فلسطينياً من تجمعاتهم حتى يوليو.
أما على صعيد المسار السياسي الداخلي، فتتواصل الخلافات حول إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، إذ رفضت فصائل وقوى فلسطينية إجراءات تعيين أعضاء من خلال مجمعات انتخابية في عدد من الدول العربية، معتبرة أن هذه الإجراءات تكرس التعيين بدلاً من الانتخاب، والإقصاء بدلاً من الشراكة، والتفرد بدلاً من التوافق الوطني. وأكدت أن المجلس الوطني يمثل الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وطالبت بانتخاب ممثليه وممثلي مؤسسات منظمة التحرير وفق نظام ديمقراطي شفاف ونزيه يضمن التمثيل النسبي والشراكة الوطنية وعدم إقصاء أي مكوّن سياسي أو اجتماعي.
ودعت القوى الفلسطينية إلى إعادة العملية الانتخابية إلى مسارها الوطني، عبر التوافق على قانون وآليات موحدة للانتخابات تضمن مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، وفي مقدمتهم اللاجئون في الدول العربية ودول الشتات، محذرة من استثمار إعادة تشكيل المجلس الوطني في إقصاء فصائل المقاومة والقوى السياسية المعارضة والشخصيات المستقلة. كما حملت القيادة الرسمية الفلسطينية والجهات القيادية والتنفيذية المسؤولة في منظمة التحرير المسؤولية السياسية والوطنية عن تداعيات هذه الإجراءات، مطالبة بوقفها والعودة إلى الحوار الوطني الشامل لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتشاركية.
ووقع البيان كل من حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، ولجان المقاومة في فلسطين.
يدخل الكيان مرحلة سياسية وأمنية حساسة تتقاطع فيها تداعيات الحرب مع إيران مع الانتخابات والتحقيقات حول إخفاقات ما قبل السابع من أكتوبر. وقد قررت دولة الاحتلال الرد على أي صواريخ أو شظايا إيرانية تصل إلى أراضيها، حتى إن كانت موجهة إلى أهداف أميركية خارج الكيان، واعتبرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن حجم العمليات الإيرانية وجرأتها يتزايدان، وأن احتمال التصعيد آخذ في الارتفاع، فيما تتحدث المعطيات عن استعداد إسرائيلي وأميركي لتنفيذ عمليات مشتركة إذا اتُخذ قرار سياسي بذلك.
وتقترب انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر وسط منافسة حادة؛ إذ أظهر استطلاع القناة 12 تقدم يشار» بزعامة غادي آيزنكوت بـ 25 مقعداً، مقابل 21 لليكود، و13 لـ«معا» برئاسة نفتالي بينيت، و10 للديمقراطيين، و9 لإسرائيل بيتنا، و11 للأحزاب العربية ووفق توزيع الكتل تحصل المعارضة على 57 مقعداً مقابل 52مقعداً لمعسكر نتنياهو، فيما أظهر استطلاع آخر تعادلاً بين المعسكرين عند 52–52. كما يتقدم آيزنكوت على نتنياهو في ملاءمة رئاسة الحكومة بنسبة 46% مقابل 35%. وتبقى فرص تشكيل الحكومة مرتبطة بمواقف الأحزاب الدينية والقوائم القريبة من نسبة الحسم، فيما لا يعني فوز المعارضة بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسة تجاه الفلسطينيين. كما يبقى احتمال اللجوء إلى تحالف بين المعارضة الفائزة وحزب الليكود قائماً بدلاً من الاعتماد على كتلة عربية أو أحزاب دينية، إذا تعذر تأمين أغلبية مستقلة، شريطة التوصل إلى تسوية حول موقع نتنياهو ودوره.
ويتزامن ذلك مع تصاعد الجدل حول مسؤولية نتنياهو عن إخفاقات السابع من أكتوبر، بعد روايات عن تحذيرات إماراتية ومصرية سابقة للهجوم، بينها تحذير من محمد بن زايد قبل نحو عشرة أيام، وتحذير من مسؤول استخبارات مصري رفيع. وتذهب الرواية إلى أن نتنياهو لم يكتف بتجاهل التحذيرين، بل أخفاهما عن وزير الدفاع يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هليفي ورئيس الشاباك رونين بار. في المقابل، ينفي نتنياهو هذه الرواية ويؤكد عدم وجود اتصال هاتفي مع الرئيس الإماراتي خلال الفترة المشار إليها، مستنداً إلى مراجعة سجلات مكتبه ومجلس الأمن القومي والسكرتير العسكري، كما هدد باتخاذ إجراءات قانونية ضد من نشروا الرواية. وتطالب المعارضة بلجنة تحقيق مستقلة، في حين يرفض نتنياهو المسؤولية السياسية ويلقيها على الجيش والأجهزة الأمنية. وصعّد حزب الليكود بدوره باتهام جهات فلسطينية وإسرائيلية بالتعاون مع أطراف أجنبية للتأثير في الانتخابات، وربط هذه الحملة باسم محمد دحلان، من دون تقديم مستندات تثبت هذه الصلة. كما أكدت الإمارات استمرار قنوات الاتصال مع الكيان وتبادل المعلومات الاستخباراتية عند الحاجة، من دون التعليق على رواية تحذير محمد بن زايد لنتنياهو قبل السابع من أكتوبر.
وعسكرياً، أجرت دولة الاحتلال مناورة «بزوغ الفجر 2» لمحاكاة حرب متزامنة على سبع جبهات، واختبرت سيناريوهات اقتحام مستوطنات وخطف رهائن وإطلاق النار على العمق واستهداف مواقع استراتيجية، إلى جانب تسلل مسلحين على حدود غزة واختراقات في الضفة وهجمات على مواقع حساسة. كما حاكت الفرقة 80 في إيلات ووادي عربة تسللاً من الأردن والسيطرة على مواقع شرطية وعسكرية وفندق وخطف رهائن، مع اختبار قدرة المنطقة على مواجهة هجوم بشكل منفرد قبل وصول التعزيزات.
ويواجه الكيان أيضاً ضغوطاً داخلية متزايدة، مع هجرة عشرات الآلاف؛ فقد غادر 82,800 شخص خلال 2024 ولم يعد سوى 24,100، فيما بلغ عجز الهجرة نحو 140 ألفاً بين 2022 و2024. وارتفع عدد الأطباء المغادرين بنسبة 94%، بالتزامن مع تراجع المنح الأوروبية للباحثين الإسرائيليين الشباب من نحو 30 سنوياً حتى 2024 إلى 10 في 2025 و11 في 2026.
وخارجياً، تواجه دولة الاحتلال ضغوطاً متنامية بسبب الاستيطان، مع تحرك 12 دولة لفرض قيود على منتجات المستوطنات واقتراح المفوضية الأوروبية تعليق الامتيازات التجارية للبضائع الإسرائيلية. وتجاوز الخلاف مع بريطانيا الإجراءات الاقتصادية إلى إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية ووقف برامج التعاون المتعلقة بغزة والسلطة الفلسطينية ومنع دخول 12 شخصية بريطانية. في المقابل، ترفض واشنطن حظر منتجات المستوطنات، فيما يتزايد الجدل داخل الأوساط اليهودية الغربية حول سياسات الحكومة الإسرائيلية.
| ثالثاً: الشأن العربي |
يتحرك الشأن العربي تحت ضغط مباشر من الحرب الأميركية الإيرانية وانعكاساتها على أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية، فيما يبرز لبنان واليمن باعتبارهما أكثر الساحات سخونة.
ففي جنوب لبنان، أسفر التصعيد الإسرائيلي خلال ثلاثة أيام عن استشهاد 28 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات ونزوح مئات السكان، مع استمرار القصف في كفرشوبا ووادي السلوقي ووادي الحجير والمنصوري، وتدمير مستشفى غندور في النبطية الفوقا. وأجرى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالات بالجانب الأميركي للضغط على الاحتلال، بالتزامن مع انتظار تحديد موعد الجلسة الثامنة من المفاوضات.
وفي الأردن، استهدفت إيران قاعدة موفق السلطي بـ20 صاروخاً، اعترضت القوات الأردنية 18 منها، فيما أصابت أضرار نحو ثماني مقاتلات أميركية وطائرة A-10، واستخدمت القوات الأميركية أكثر من 30 صاروخ باتريوت. ويعزز ذلك حساسية موقع الأردن باعتباره إحدى ساحات امتداد المواجهة الإيرانية الأميركية.
وتصاعدت هجمات الحوثيين على السعودية، حيث استُهدفت قاعدة جوية في خميس مشيط ومنشآت نفطية، وأسفرت الهجمات عن إصابة 73 شخصاً، فيما أعلن الحوثيون أن الطائرات السعودية نفذت 54 غارة خلال 12 ساعة. وتحاول باكستان احتواء التصعيد عبر نقل تحذير سعودي إلى إيران، في ظل اتفاق دفاعي يربط إسلام آباد بالرياض وأنقرة، مع تأكيد أن أي تدخل باكستاني سيقتصر على الدفاع عن الأراضي السعودية.
وفي العراق، يواجه رئيس الحكومة علي الزيدي رفض خمس فصائل موالية لإيران تسليم السلاح بحلول 30 سبتمبر. وتضم المقاومة الإسلامية في العراق نحو عشرة فصائل وقرابة 50 ألف مقاتل، فيما تربط الفصائل نزع السلاح بانسحاب القوات الأميركية.
وفي الخليج، تتزايد المساعي لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز عبر خطوط الأنابيب ومنشآت التخزين والممرات البرية والسكك الحديدية، فيما تملك السعودية خط أنابيب شرق -غرب الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر. وتحذر التقديرات من ارتفاع النفط إلى 130–150 دولاراً للبرميل إذا تفاقمت أزمة هرمز، بما يرفع التضخم ويضغط على النمو العالمي ويهدد إمدادات الغاز والديزل ووقود الطائرات والأسمدة.
وعلى المستوى السياسي، تتزايد مؤشرات بحث الدول العربية عن هامش أوسع في إدارة أمنها ومصالحها. ويبرز في هذا السياق اتفاق مكة للأمن الجماعي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي انتقل من صيغة دفاعية إلى بناء مؤسسات وآليات تنفيذ عبر أمانة عامة ولجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، فيما برزت فكرة الاستقلالية الاستراتيجية في المواقف الخليجية والعربية بوصفها خياراً مرتبطاً بالأمن والمصلحة الوطنية. كما طرحت مصر إحياء مفهوم الأمن القومي العربي وفكرة القوة العربية المشتركة، مع رفض ترتيبات الأمن الإقليمي التي تفرضها أطراف خارجية.
| رابعاً: الشأن الاقليمي |
تتجه الحرب الأميركية الإيرانية نحو مزيد من التصعيد، مع استعداد طهران لحرب طويلة ومواصلة الرد الصاروخي والمناوشات في هرمز، بالتوازي مع تعرضها لضغط اقتصادي متزايد. فقد تراجع النفط الإيراني المخزن على ناقلات خارج نطاق الحصار من نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو إلى 29 مليوناً، مع احتمال نفاده بحلول منتصف أكتوبر، فيما تمثل عائدات النفط نحو ثلث ميزانية الدولة ومصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية.
في المقابل، تحافظ الولايات المتحدة على أكثر من 50 ألف جندي في المنطقة، ومددت انتشار بعض القوات حتى 2027، مع استمرار الضغط على مخزون باتريوت نتيجة الاستخدام المكثف. ويتزايد خطر التصعيد مع التهديد بضرب موقع جبل الفأس قرب نطنز، وسط ارتفاع أسعار الطاقة والضغط السياسي الداخلي الأميركي.
وفي سوريا، يتصاعد التنافس التركي الإسرائيلي حول شكل الدولة السورية والوجود العسكري التركي، بعد الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور في 18 أغسطس، مع تقلص مناطق الفصل السابقة وتحول سوريا إلى نقطة تماس مباشرة بين رؤيتين أمنيتين. وتسعى تركيا إلى دعم دولة سورية مركزية بجيش نظامي قادر على احتكار القوة وضبط الجماعات المسلحة وتأمين الحدود، بينما تخشى إسرائيل أن يؤدي بناء قدرات عسكرية سورية، خصوصاً بدعم تركي، إلى الحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
ويتجاوز التنافس الساحة السورية إلى شرق المتوسط، حيث تنظر تركيا بقلق إلى التعاون الأمني والسياسي بين الكيان واليونان وقبرص والحضور الفرنسي المتزايد، فيما طورت أنقرة مفهوم الوطن الأزرق عبر الانتشار البحري والمناورات والغواصات.
وفي البعد الاستراتيجي، تتبلور سياسة تركية أكثر استقلالاً عن التصورات الأميركية، مع احتفاظ أنقرة بعلاقاتها مع واشنطن وموقعها في حلف الناتو، بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع روسيا والصين وباكستان وإيران ودول الخليج. ولا تبدو هذه السياسة وليدة الحرب الحالية وحدها، بل امتداداً لتجربة طويلة بدأت مع الخلافات حول قبرص، وتطوير الصناعات الدفاعية الذاتية، والحصول على منظومة S-400 الروسية، وتبني عقيدة الوطن الأزرق، وصولاً إلى تصور تركيا لنفسها باعتبارها قطباً مستقلاً في نظام دولي متعدد الأقطاب.
وفي موازاة ذلك، تدفع روسيا والصين نحو ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالاً عن الغرب؛ فطرحت موسكو تصوراً لأمن خليجي يضم إيران ودول الخليج ضمن إطار لمعالجة المخاوف المتبادلة وبناء الثقة، فيما دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة منظمة شنغهاي إلى بناء بيئة من الأمن المشترك ومنع القوى الخارجية من التدخل في الشؤون الداخلية وتقويض الاستقرار الإقليمي.
| خامساً: الشأن الدولي |
تستمر الحرب الروسية الأوكرانية رغم عودة الاتصالات السياسية؛ فقد نجا زيلينسكي من حادثة مرتبطة بمسيرة روسية أثناء إقلاعه من مولدوفا، فيما أعلنت موسكو استعدادها لاستئناف المفاوضات بوساطة أميركية، وبرزت أبوظبي كمكان محتمل للمحادثات بعد لقاء بوتين مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة، وسط تقديرات باستمرار الحرب حتى العام المقبل وعدم استعداد بوتين لتغيير موقفه بشأن دونباس.
وفي الملف الإيراني، أيد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إحالة الملف إلى مجلس الأمن بأغلبية 23 دولة، مقابل امتناع ثماني دول ومعارضة روسيا والصين والنيجر، بينما رفضت إيران القرار واعتبرته موسكو وبكين وطهران مسيساً.
وتواجه الولايات المتحدة ضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة؛ فقد استقال وزير الجيش دان دريسكول، وغادر نحو 24 جنرالاً وأميرالاً مواقعهم، فيما استنزفت الحرب نحو ثلثي مخزون صواريخ باتريوت، بالتزامن مع إعادة توزيع القوات الأميركية في العالم وارتفاع متوسط البنزين إلى 4.22 دولار للغالون. وتناقش الإدارة احتمال استمرار الحرب مع إيران لفترة أطول من المعلن.
دولياً، تتصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية الغربية على الاحتلال وذلك على خلفية استمرار الحرب والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، مع انتقال المواقف الدولية إلى إجراءات أكثر مباشرة. وفي هذا السياق، برز تحرك من جانب 12 دولة غربية للضغط على الكيان بشأن الاستيطان، بالتوازي مع إجراءات أوروبية تستهدف الحد من الامتيازات التجارية الممنوحة لإسرائيل. كما اتخذت بريطانيا خطوات دبلوماسية جديدة تجاه إسرائيل، في وقت تتسع فيه الفجوة بين لندن والحكومة الإسرائيلية، بينما لا تزال الولايات المتحدة خارج مسار الحظر الأوروبي على استيراد منتجات المستوطنات.
وعلى المسار القانوني، رفعت نيكاراغوا دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد ألمانيا، متهمة إياها بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، على خلفية الدعم العسكري لإسرائيل وتزويدها أسلحة تستخدم في الحرب على غزة. كما تبرز دعوى قضائية في فرنسا ضد الكيان تتعلق باتهامات بتعذيب أعضاء أسطول الصمود، في حين تلاحق الأرجنتين شركة إسرائيلية قضائياً بسبب التنقيب في فوكالند. وفي المجال الثقافي، أعلنت فرق وفنانون مشاركون في مهرجان كوميديا في لشبونة انسحابهم احتجاجاً على مشاركة جيري ساينفيلد على خلفية مواقفه المؤيدة للاحتلال الاسرائيلي.
وفي النقاش حول مستقبل النظام الدولي، تتزايد الأسئلة حول الانتقال من الهيمنة الغربية إلى نظام تتوزع فيه القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى، في ظل تراجع قدرة العقوبات والضغط العسكري على فرض نتائج حاسمة، وصعود الصين وقدرة روسيا على موازنة توسع حلف الناتو، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والنقدية التي يواجهها النظام الغربي، بما فيها التضخم وأسعار الفائدة وقيمة الدولار. كما يبرز احتمال تحول المنافسة التكنولوجية والاقتصادية مع الصين إلى مواجهة أكثر مباشرة إذا فشلت أدوات الضغط الأخرى.
ويتصاعد الخطر النووي بوصفه أحد أخطر مكونات المرحلة، مع تزايد النقاش حول استخدام الأسلحة النووية التكتيكية في حربي إيران وأوكرانيا، وتآكل بعض معاهدات الحد من التسلح وآليات الاتصال بين واشنطن وموسكو. كما يضيف تطور الذكاء الاصطناعي والمراقبة والسونار وتكنولوجيا الصواريخ مخاوف من إمكان استهداف القدرات النووية بضربة أولى، بما يرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير القابل للسيطرة.
انتهى
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: بانوراما السياسة
مقالات مشابهة
- By منصة إرتقاء
- 3 Views
- By منصة إرتقاء
- 6 Views
- By منصة إرتقاء
- 6 Views
- By منصة إرتقاء
- 9 Views
- By منصة إرتقاء
- 17 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 3 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 6 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 6 Views
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 8 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 94 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 89 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 84 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 82 Views






