
إحاطة سياسية دورية
| أولاً: الشأن الفلسطيني |
دخلت مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة من الجمود السياسي، بعد تراجع مؤشرات التفاؤل التي سادت خلال الأسابيع الماضية، في ظل اتساع الخلافات حول خريطة الطريق الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب. وتشير المعطيات إلى أن التعديلات التي قدمها الممثل الأعلى لـمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، إلى جانب الموقف الإسرائيلي، أعادت فتح ملفات جوهرية سبق التوصل إلى تفاهمات أولية بشأنها، وفي مقدمتها مستقبل سلاح المقاومة، وآليات الانسحاب الإسرائيلي، وادارة المرحلة الانتقالية، كما ربطت معظم استحقاقات المرحلة الثانية بملف نزع سلاح الفصائل، مقابل تراجع واضح في الضمانات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي والحقوق السياسية الفلسطينية. وفي المقابل، تستعد الفصائل الفلسطينية لتقديم رد موحد يتضمن تعديلات على الورقة المطروحة، مع تمسكها بربط أي ترتيبات أمنية باستحقاقات سياسية واضحة، تشمل إنهاء الاحتلال والانسحاب الكامل من القطاع.
وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى اجتماعات مجلس السلام المرتقبة في قبرص، والتي ستبحث مستقبل تنفيذ خريطة الطريق، وآليات إدارة قطاع غزة، ونشر قوات الاستقرار الدولية، في ظل تسريبات تتحدث عن منح المجلس صلاحيات تنفيذية وحصانات قانونية واسعة، وإمكانية المضي في تنفيذ بعض الترتيبات حتى في حال غياب توافق كامل مع الفصائل الفلسطينية.
وفي سياق متصل، تتواصل التحضيرات الخاصة بنشر قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، رغم استمرار التعثر في استكمال تشكيلها. وفي هذا الإطار، وصل ضباط من الجيش المغربي إلى مقر القوة في جنوب الأراضي المحتلة، لتصبح المغرب أول دولة عربية تترجم تعهدها بالمشاركة إلى خطوات عملية، في حين لا تزال تعهدات دول أخرى بتوفير قوات عسكرية معلقة. ويأتي ذلك ضمن ما يعرف بترتيبات المرحلة الانتقالية لخريطة الطريق، التي تشمل نشر قوة دولية تتولى دعم الأمن، والإشراف على ترتيبات ما بعد الحرب، وتدريب الأجهزة الأمنية، وسط استمرار الجدل بشأن صلاحيات هذه القوة ودورها.
ميدانياً، يواصل الاحتلال خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث استشهد ثلاثة مواطنين صباح اليوم وأصيب آخرون في غارات استهدفت مركبة في دير البلح، بالتزامن مع عمليات قصف وإطلاق نار ونسف للمباني في مناطق متفرقة من القطاع. وفي سلوك يومي، وسع الاحتلال مساحة المنطقة الصفراء شرق مخيم المغازي وقرية المصدر وشرق دير البلح مئات الأمتار باتجاه الغرب، ما أدى إلى محاصرة عدد من العائلات وإجبار أخرى على النزوح المفاجئ.
وفي السياق ذاته، أُحبط مشروع لإثارة الفوضى الداخلية دعت إليه مجموعات مشبوهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، طالبت بإسقاط المقاومة وتسليم سلاحها، بالتزامن مع تحضيرات لعمليات منسقة استهدفت مواقع أمنية ومدنية، شملت مساجد ومراكز إيواء، إضافة إلى محاولات توغل لمجموعات مسلحة متعاونة مع الاحتلال باتجاه وسط وغرب القطاع. وأكدت مصادر فلسطينية مطلعة أن هذه التحركات أُفشلت نتيجة محدودية الاستجابة الشعبية لها، إلى جانب تصدي المقاومة للعصابات العميلة في بيت لاهيا وخان يونس وحي التفاح. وكشفت المصادر أن ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء هذه الدعوات، تتمثل في محاولة الاحتلال تفجير الساحة الداخلية عبر التحريض وبث الفتنة، وإشغال فصائل المقاومة ودفعها إلى التخلي عن استعادة قدراتها، ومحاولة تبرئة الاحتلال من الحصار والتجويع وتحميل المقاومة مسؤولية الأوضاع الإنسانية.
وفي السياق نفسه، كشف تحقيق تقني عن تفاصيل مهمة تتعلق بالدعوات التي أُطلقت للاحتجاج في قطاع غزة يوم 26 يونيو، إذ تبين أنها بدأت من حساب فردي قبل أن تتحول إلى حملة رقمية واسعة النطاق، أظهرت المؤشرات الفنية أنها نشاط منسق تديره جهات مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي. وتصدرت الولايات المتحدة قائمة المشاركين بنسبة 16% من إجمالي المنشورات، تلتها مصر بنسبة 7% ثم تركيا، فيما أظهر التحليل أن نحو 60% من التفاعل كان عبارة عن إعادة نشر آلية، بينما لم تتجاوز نسبة التعليقات الحقيقية 7%، بما يشير إلى استخدام جيوش إلكترونية لتضخيم الحملة.
وفي الضفة الغربية، اعتقلت قوات الاحتلال عشرة فلسطينيين شرق رام الله، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، التي شملت قطع الكهرباء والمياه عن تجمع التبنة البدوي قرب الخان الأحمر، وإحراق أراضٍ زراعية تضرر فيها نحو عشرة دونمات في عدة مناطق، إلى جانب مهاجمة قرى وتجمعات بدوية بحماية قوات الاحتلال. وفي الخليل، شرعت سلطات الاحتلال بتنفيذ أعمال إنشائية داخل الحرم الإبراهيمي، عبر إقامة سقف فوق منطقة الصحن الداخلي، في خطوة اعتبرتها وزارة الأوقاف انتهاكاً للقانون الدولي وتغييراً لمعالم المسجد التاريخية.
سياسياً، تتسع دائرة الانقسام الفلسطيني، إذ دعت ستة فصائل فلسطينية، هي: حماس، والجهاد الإسلامي، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، الرئيس محمود عباس إلى عقد اجتماع عاجل للأمناء العامين، وإطلاق حوار وطني شامل، وإجراء انتخابات عامة، ووضع استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة. وأكدت الفصائل أن الإطار القيادي المؤقت الموحد، الذي جرى الاتفاق عليه في اتفاقات المصالحة الوطنية، وآخرها اتفاق بكين، يمثل المرجعية الوطنية الانتقالية الجامعة، محذرة من أي محاولات لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني استجابة لضغوط أو إملاءات خارجية. كما دعت مبادرة فلسطينيي أوروبا إلى التراجع عن الدعوة لإجراء انتخابات المجلس الوطني بصيغتها الحالية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، محذرة من تكريس الانقسام، وتجاوز التوافقات الوطنية، وتهميش قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، ومطالبة بإجراء انتخابات شاملة وحرة ونزيهة بمشاركة الفلسطينيين في الداخل والخارج.
تشهد الساحة الإسرائيلية حالة من الانقسام السياسي والأمني المتصاعد على خلفية الاتفاق الإطاري مع لبنان، الذي يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تسويقه بوصفه إنجازاً استراتيجياً أضعف إيران وحزب الله وكرّس تحولاً في البيئة الإقليمية، مستنداً إلى ما يعتبره تراجعاً كبيراً في القدرات العسكرية للحزب، واقتراب الكيان من تحقيق أهدافه العسكرية في قطاع غزة، مع تجديده رفض أي مسار يقود إلى قيام دولة فلسطينية. في المقابل، يواجه الاتفاق انتقادات واسعة من أطراف المعارضة واليمين على حد سواء، إذ يصفه خصوم نتنياهو بأنه يعكس إخفاقاً سياسياً واستراتيجياً في استثمار النتائج العسكرية وتحويلها إلى مكاسب دبلوماسية، فيما يعتبره اليمين المتطرف تنازلاً غير مبرر يمنح حزب الله فرصة لإعادة ترتيب صفوفه.
وكشف الإعلام الإسرائيلي عن تسريبات من الملحق الأمني السري للاتفاق، تنص على ربط أي انسحاب إسرائيلي بالتقييم الميداني وليس بجدول زمني محدد، ويمنح الكيان حق الاعتراض على توسيع المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني، كما تكرس حرية عمل جيش الاحتلال داخل المنطقة الممتدة حتى عشرة كيلومترات. وأكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش تلقى أوامر بالاستعداد لـبقاء طويل في جنوب لبنان، مشدداً على أنه لن تكون هناك إعادة انتشار أو انسحاب ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه في جميع أنحاء لبنان، متهماً الحزب بمواصلة الانتهاكات.
وفي الشأن الداخلي، أعلن نتنياهو عزمه تشكيل حكومة قومية واسعة بعد الانتخابات، وفق شروط سياسية وأيديولوجية واضحة، في مقدمتها الاعتراف بالكيان دولةً للشعب اليهودي ورفض إقامة دولة فلسطينية. وأثار هذا الطرح قلقاً داخل معسكره، وسط مخاوف من أن يكون تمهيداً لاستبدال شركائه الحاليين بقوى من يمين الوسط. ورد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير محذراً من إقصاء مكونات اليمين، في حين تبدو فرص تشكيل حكومة واسعة محدودة عملياً، بعد إعلان كل من أفيغدور ليبرمان ويائير لبيد رفضهما المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول قانون تجنيد الحريديم والإصلاح القضائي.
ويتصاعد الصراع داخل حزب الليكود على خلفية خطة نتنياهو لإجراء الانتخابات التمهيدية، التي تتضمن منحه صلاحية تسمية أحد عشر مرشحاً في القائمة الحزبية حتى المرتبة الأربعين، وهو ما أثار غضب عدد كبير من الوزراء وأعضاء الكنيست الذين اكتشفوا أن الخطة قد تؤدي إلى فقدانهم مواقعهم في الدورة المقبلة. ورداً على ذلك، لوّح نتنياهو بإمكانية الانسحاب من الحزب وتأسيس حزب جديد، في خطوة تعيد إلى الأذهان سيناريو انسحاب أريئيل شارون من الليكود وتأسيس حزب كاديما عام 2005، وهو ما يشكل مصدر قلق حقيقي لقيادة الحزب. وتظهر استطلاعات الرأي أن نتنياهو، في حال خاض الانتخابات بحزب جديد، قد يحصل على 23 مقعداً، مقابل تراجع الليكود من 36 مقعداً حالياً إلى نحو 7 مقاعد فقط، وهو ما يفسر جدية التهديد وتأثيره في موازين القوى داخل الحزب.
وفي السياق الأمني، أشار تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت إلى ارتفاع مستمر في عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود المصرية والأردنية منذ عام 2020، مع دخول الطائرات المسيّرة الصغيرة على خط التهريب. ووفق التقرير، ضُبطت 316 قطعة سلاح وأجزاء أسلحة خلال عام 2024، إضافة إلى 90 مسدساً هُربت عبر الحدود الأردنية عام 2025، وصولاً إلى إسقاط طائرة مسيّرة كانت تحمل أربع رشاشات ثقيلة أواخر العام الماضي، بما يعكس تطور أساليب التهريب واتساع نطاقها.
وعسكرياً، تواجه خطة حوشن الخمسية لإعادة بناء الجيش، والتي تقدر كلفتها بنحو 350 مليار شيكل، تحديات مالية وبشرية متزايدة، إذ بلغت ديون وزارة الدفاع للصناعات العسكرية نحو 13 مليار شيكل، فيما يعاني الجيش عجزاً يقدر بنحو 12 ألف جندي. وتتزايد المخاوف من تقليص المساعدات الأمريكية ابتداءً من عام 2028، إلى جانب التحذيرات من أن استمرار عدم تجنيد الحريديم سيؤدي إلى تفاقم النقص في القوات العملياتية.
| ثالثاً: الشأن العربي |
تصدر الملف اللبناني المشهد العربي عقب توقيع لبنان والكيان اتفاقاً إطارياً برعاية أمريكية، يُعد أول تفاهم مباشر بين الطرفين منذ عقود، وويُسوَّق باعتباره خطوة تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار ووضع إطار لمعالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة. إلا أن مضمون الاتفاق أثار جدلاً واسعاً، بعدما خلا من أي التزام صريح بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، واكتفى بالحديث عن إعادة انتشار لجيش العدو وفق اعتبارات ميدانية، مقابل تركيز واضح على ترتيبات نزع السلاح، ما عزز الانطباع بأن تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية بات مشروطاً بالمتطلبات الأمنية التي تطرحها تل أبيب. وتزايدت المخاوف بعد الكشف عن ملحق أمني يربط أي إعادة انتشار إسرائيلية بتقييمات ميدانية من دون سقف زمني ملزم، ويكرس استمرار حرية العمل العسكري الإسرائيلي داخل ما يُعرف بـالخط الأصفر.
وأثار الاتفاق انقساماً واسعاً داخل الساحة اللبنانية؛ إذ يقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في مقدمة الداعمين للمسار، باعتباره خطوة أولى نحو استعادة السيادة وبداية انسحاب إسرائيلي تدريجي. في المقابل، رفضه حزب الله وحركة أمل، معتبرين أنه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح المقاومة ويمنح الاحتلال مكاسب سياسية وأمنية من دون ضمانات واضحة لوقف الاعتداءات أو استعادة السيادة الكاملة. كما أبدت قوى أخرى، من بينها الجماعة الإسلامية، وهيئة علماء المسلمين، تحفظاتها على غياب نص صريح يضمن الانسحاب الكامل، وما قد يترتب على الاتفاق من تكريس لوصاية أمنية خارجية أو فتح الباب أمام مسارات تطبيع غير مباشرة. في المقابل، رحبت قوى سياسية أخرى، أبرزها القوات اللبنانية وحزب الكتائب، بالاتفاق باعتباره فرصة لإخراج لبنان من أزمته الأمنية والسياسية، مع التأكيد أن نجاحه سيبقى مرهوناً بآليات التنفيذ ومدى التزام إسرائيل ببنوده، بما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الاتفاق على الصمود في ظل الانقسامات الداخلية واستمرار الخروقات الإسرائيلية.
مصرياً، رحبت القاهرة بالاتفاق الإطاري، مؤكدة ضرورة تنفيذ انسحابات إسرائيلية تدريجية من المناطق التي لا تزال تحتلها، بما يتيح انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وفي السياق الخليجي، أجرى وزراء خارجية السعودية وقطر ومصر اتصالات هاتفية تناولت المستجدات الإقليمية، وأكدوا أهمية تكثيف الجهود المشتركة لإنجاح المسار التفاوضي والتوصل إلى حلول شاملة تحقق الأمن والاستقرار، مع إدانة الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج وهددت الملاحة البحرية، والتشديد على أهمية الالتزام بالاتفاق الأمريكي–الإيراني والعودة إلى المسار التفاوضي.
وفي الإطار ذاته، شهد اجتماع المنامة الوزاري الخليجي–الأمريكي نقاشاً حول ملامح نظام أمني إقليمي جديد، في ظل مراجعات خليجية متزايدة لجدوى النموذج الأمني القائم على المظلة الأمريكية، بعد أن أنفقت دول الخليج مئات المليارات على التسليح الأمريكي واستضافت أكبر انتشار عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة، في حين بقيت منشآتها الحيوية عرضة للتهديد، واستمر مضيق هرمز يمثل إحدى أبرز أوراق الضغط الإيرانية.
وعلى الصعيد الرسمي العربي، اعتمد المؤتمر الثامن للبرلمان العربي ورؤساء المجالس والبرلمانات العربية، الذي نظمه البرلمان العربي والاتحاد البرلماني العربي في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة، قراراً برلمانياً عربياً بشأن مواجهة السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، مجدداً الدعم البرلماني العربي الكامل للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومؤكداً وحدة الموقف البرلماني العربي تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية.
وفي تونس، اتهم الرئيس السابق منصف المرزوقي الرئيس الحالي قيس سعيّد بـالتجارة بالقضية الفلسطينية، مشيراً إلى رفضه استقبال وفد من حركة حماس، وعرقلته خروج أسطول الصمود، واستغلاله مخالفات مالية قال إنها قد تكون ناجمة عن قلة خبرة بعض الشباب لزجهم في السجون، معتبراً أن هذه الإجراءات تحمل رسائل إلى الإدارة الأمريكية مفادها: انظروا كم نحن متعاونون.
| رابعاً: الشأن الاقليمي |
شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية مواجهة عسكرية متصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث نفذت القوات الأمريكية ضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية في جنوب إيران، شملت أنظمة رادار واتصالات، وبنى تحتية دفاعية، وقدرات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والألغام البحرية، وذلك رداً على هجمات إيرانية استهدفت مصالح أمريكية وممرات الملاحة في مضيق هرمز، من بينها استهداف ناقلات نفط وتهديد خطوط الإمداد العالمية. وفي المقابل، رد الحرس الثوري الإيراني بسلسلة من الهجمات الصاروخية والمسيّرة استهدفت قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، وسط تصعيد متبادل رافقه خطاب سياسي شديد اللهجة وصل إلى حد التلويح بانزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية شاملة.
إلا أن هذا المسار التصعيدي شهد تحولاً مفاجئاً نحو الاحتواء عبر التفاوض، بعدما أعلنت مصادر أمريكية وإيرانية التوصل إلى تفاهم مؤقت يقضي بوقف الأنشطة القتالية وفتح قنوات اتصال مباشرة بين الجانبين، بالتوازي مع استئناف المحادثات الفنية في الدوحة ضمن إطار مذكرة تفاهم تهدف إلى خفض التوتر في مضيق هرمز وتنظيم حركة الملاحة البحرية. كما شمل التفاهم ترتيبات أولية لتشكيل لجان مشتركة لمعالجة الخلافات التقنية والأمنية، وإطلاق مسار تدريجي لبحث الملفات العالقة، وفي مقدمتها العقوبات الأمريكية، والأموال الإيرانية المجمدة، وآليات ضمان حرية الملاحة.
ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره انتقالاً من مرحلة إدارة الصراع العسكري إلى محاولة تجميد المواجهة ومنع توسعها، خاصة بعد أن كشفت الأيام الماضية هشاشة التوازن الأمني في الخليج وإمكانية انزلاقه السريع إلى مواجهة إقليمية واسعة. ومع ذلك، تبقى هذه التفاهمات مؤقتة بطبيعتها، إذ لا تزال القضايا الخلافية الجوهرية قائمة، وفي مقدمتها تفسير بنود الاتفاق المتعلقة بمضيق هرمز، وحدود حرية الحركة البحرية، ومستوى التزام واشنطن برفع القيود الاقتصادية، مقابل إصرار طهران على ربط أي تقدم بتنفيذ عملي وملموس على الأرض، الأمر الذي يجعل المسار التفاوضي أقرب إلى هدنة سياسية قابلة للاهتزاز منه إلى تسوية نهائية مستقرة.
تركياً، صعّد الرئيس رجب طيب أردوغان من لهجته تجاه الكيان، متوعداً بمحاسبتها على جرائمها، ومستحضراً قضية الطفلة هند رجب التي قُتلت برصاص جيش الاحتلال، معتبراً أن الجرائم الإسرائيلية تجاوزت كل الحدود وترقى إلى إبادة جماعية متواصلة، ومحذراً من أن الأيديولوجية الصهيونية تستهدف الدولة التركية بأكملها. كما أدانت أنقرة القرار الإسرائيلي بالاعتراف بـإبادة الأرمن، واعتبرته خطوة سياسية تهدف إلى التغطية على الجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
| خامساً: الشأن الدولي |
شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي توتراً غير مسبوق، كشف عنه تحذير نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس لإسرائيل بأنها لم تعد تمتلك سوى عدد محدود من الحلفاء على الساحة الدولية، وعليها أن تعيد النظر في طريقة تعاملها مع حليفها الأهم، الولايات المتحدة. وتشير قراءة معمقة إلى أن القضية تتجاوز مجرد تصريحات سياسية، إذ تعكس تحولاً تدريجياً في المزاج الأمريكي تجاه الكيان، حيث لم يعد ينظر إليها بوصفها الحليف المميز الذي يحظى بإجماع داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
وتؤكد استطلاعات الرأي هذا التحول؛ إذ أظهر استطلاع لمركز بيو أن أربعة من كل عشرة جمهوريين يحملون نظرة سلبية تجاه الكيان، وترتفع النسبة بين الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً إلى 57%، مقابل نحو ربع الجمهوريين فقط ممن تجاوزوا الخمسين عاماً. كما أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك أن واحداً من كل خمسة جمهوريين يرى أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مفرطاً للكيان، وهي نسبة تعادل ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات، بما يعكس تحولاً تدريجياً داخل القاعدة المحافظة نفسها.
وتجلى هذا التوتر أيضاً في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف بنيامين نتنياهو بأنه مجنون على خلفية التصرفات الإسرائيلية في لبنان، والتي اعتبر أنها تهدد فرص نجاح المحادثات مع إيران، رغم استمراره في الإشادة بالكيان في مناسبات أخرى. ووفقاً لما نقلته مجلة بوليتيكو، فإن زيارات نتنياهو إلى واشنطن تراجعت من خمس زيارات خلال عام 2025 إلى زيارة واحدة فقط هذا العام، دون وجود موعد محدد لزيارة جديدة، كما تراجعت الاتصالات الهاتفية بين الجانبين بصورة ملحوظة. ونقلت المجلة عن مصدر مطلع أن العلاقات لم تصل بعد إلى أسوأ مراحلها، وما زال هناك المزيد، فيما اعتبر مستشار سياسي إسرائيلي أن إسرائيل كانت ساذجة عندما اعتقدت أنها ستكون بمنأى عن تطبيق سياسة أمريكا أولاً.
وفي موازاة ذلك، كشف تحقيق صحفي عن خطة طموحة لتعميق التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من خلال مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027، الذي يتضمن المادة (224) تحت عنوان مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي الأمريكي–الإسرائيلي. وتهدف هذه المبادرة إلى توسيع التعاون بين الجيشين إلى مستويات غير مسبوقة، تشمل مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وأنظمة التشغيل الذاتي، والطاقة الموجهة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، إضافة إلى تكامل الشبكات ودمج البيانات العسكرية. ووصف الإعلامي الأمريكي رون بول هذه المادة بأنها إهانة لكل أمريكي يقدر السيادة الوطنية، في وقت أصدر فيه البنتاغون تحذيراً من تصاعد تهديدات التجسس الإسرائيلي، معترفاً بأن للكيان تاريخاً طويلاً في التجسس على الولايات المتحدة.
وفي أوروبا، ألغى رئيس الوزراء السلوفيني الجديد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في تحول سياسي لافت عقب وصول السياسي اليميني يانيز يانشا إلى السلطة، منفذاً أحد أبرز وعوده الانتخابية بإلغاء قرار الحكومة السابقة الصادر عام 2024. في المقابل، أكدت رئيسة سلوفينيا ناتاشا بيرك موسار أن موقف بلادها من القضية الفلسطينية يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، معربة عن حزنها إزاء الحرب على غزة، ومشددة على أن حل الدولتين يظل السبيل الوحيد لإنهاء الصراع.
وفي سياق متصل، تواصل محاكمة الطالبة سارة كوت في بريطانيا، على خلفية اتهامها بالتعبير عن دعم حركة حماس، إثارة الجدل، بعدما أكد فريق الدفاع أنها مارست حقها في تأييد مقاومة الاحتلال، وأن القضية تستهدف ترهيبها بسبب مواقفها المؤيدة للحقوق الفلسطينية، مشدداً على أن الادعاء لم يقدم أي دليل يثبت دعمها التنظيمي للحركة.
انتهى
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: بانوراما السياسة
مقالات مشابهة
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 08 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 90 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 85 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 81 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 80 Views






