
إحاطة سياسية دورية
| أولاً: الشأن الفلسطيني |
تواصل الفصائل الفلسطينية دراسة التعديلات التي قدّمها الممثل الأعلى لـمجلس السلام نيكولاي ملادينوف على رد حماس والفصائل الفلسطينية على مقترح خريطة الطريق الخاصة بقطاع غزة. وتعكس هذه التعديلات عودة المفاوضات عملياً إلى نقطة الصفر، بعدما أعادت صياغة معظم الملفات الجوهرية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وإدارة الحكم، ومستقبل السلاح، ودور الفصائل خلال المرحلة الانتقالية. فبدلاً من البناء على التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال الجولات السابقة مع الوسطاء، طرحت الورقة المعدلة مقاربات جديدة غيّرت مضمون عدد كبير من البنود الأساسية، الأمر الذي أعاد فتح ملفات كانت الفصائل الفلسطينية تعتقد أنها حُسمت أو جرى التوافق على إطارها العام.
فبينما تمسكت الفصائل بمبدأ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، وربطت ملف حصر وتخزين السلاح الثقيل بمسار سياسي يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية وتحقيق حق تقرير المصير، استبدلت تعديلات ملادينوف ذلك بصياغات فضفاضة وأكثر ضبابية تتحدث عن انسحاب إلى محيط غزة وتهيئة الظروف لمسار سياسي موثوق يقود إلى حق تقرير المصير وإقامة الدولة من دون تقديم ضمانات واضحة بمنتهى هذا المسار. كما منحت الورقة المعدلة أولوية لنقل كامل صلاحيات الحكم المدني والأمني إلى اللجنة الوطنية، مع منع أي تدخل للفصائل في عملها، والتأكيد على أن مسؤوليات اللجنة الوطنية (حكومة التكنوقراط) المالية تبدأ فقط من تاريخ توليها مهامها.
وفي الملف الأمني، أضافت التعديلات نصوصاً تمنح حق حيازة السلاح حصراً للأفراد المخولين من قبل اللجنة الوطنية، كما عدلت صياغة البند الثامن المتعلق بحصر وتخزين السلاح الثقيل ليتحول الى تخزين وحصر وجمع السلاح فور استكمال متطلبات المرحلة الأولى، وفصّلت بموضوع السلاح الذي يتضمن حسب الورقة الأسلحة الثقيلة ومستودعاتها والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري، مع التأكيد على عدم احتفاظ حركة حماس أو الفصائل الفلسطينية بأي أسلحة أو أي قدرة على الوصول إليها مستقبلاً. كما تخضع هذه العملية لرقابة وتحقق لجنة التحقق الدولية، وبإسناد من قوة الاستقرار الدولية.
وفي ملف الميليشيات المسلحة، تراجعت التعديلات عن النص الوارد في ورقة الفصائل بشأن تفكيك الميليشيات، واستبدلته بصياغة تركز على حصر وجمع وتخزين أسلحتها ضمن جدول زمني متفق عليه، مع إخضاع العملية لرقابة لجنة التحقق الدولية. ويعكس هذا التغيير انتقال التركيز من معالجة البنية التنظيمية لهذه المجموعات إلى معالجة ملف تسليحها فقط.
وتُظهر هذه التعديلات، التي تشير مصادر فلسطينية إلى أنها جاءت استجابة لمطالب إسرائيلية، اتجاهاً واضحاً نحو إعطاء الأولوية للترتيبات الأمنية التي يطالب بها الاحتلال، مقابل تراجع الحضور السياسي في الخطة وتقليص الارتباط المباشر بين الالتزامات الأمنية والاستحقاقات السياسية المرتبطة بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر فلسطينية لصحيفة الشرق الأوسط عن عقد لقاء سري جمع قيادات بارزة من المكتب السياسي لحركة حماس مع وفد فرنسي ضم دبلوماسيين حاليين وسابقين ونواباً من أحزاب الائتلاف الحاكم والمعارضة، في إحدى دول المنطقة، وذلك في أول تواصل من هذا المستوى بين الجانبين منذ السابع من أكتوبر. ولا تصنف باريس رسمياً حركة حماس منظمة إرهابية على المستوى الوطني، رغم ملاحقتها لأنشطة التمويل المرتبطة بها، في حين يدرجها الاتحاد الأوروبي، إلى جانب جناحها العسكري، على قائمته للمنظمات الإرهابية منذ عام 2001.
ميدانياً، يواصل جيش الاحتلال توسيع سيطرته على قطاع غزة في تحدٍ واضح للجهود الدبلوماسية الجارية. فقد أقدمت عناصر من العصابات المسلحة المتعاونة مع الاحتلال شمال القطاع على تقديم الخط الأصفر نحو مئتي متر باتجاه الغرب من مخيم جباليا في منطقة العلمي، في خطوة تهدف إلى توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، والتي تتجاوز حالياً 60% من مساحة القطاع، وذلك بعد خطوات مماثلة نفذتها قوات الاحتلال خلال الأيام الأخيرة في أكثر من منطقة.
وفي الوقت ذاته، تتواصل المجازر الإسرائيلية اليومية رغم الحديث عن هدنة، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا الفلسطينيين منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار إلى 1020 شهيداً و3200 جريح. وتواصل قوات الاحتلال استهداف المواطنين خارج حدود الخط الأصفر، وكان آخر هذه الاعتداءات صباح اليوم، عندما استهدفت طائرات الاحتلال مركبة أمام مول الرحاب، ما أدى إلى استشهاد مواطنة وإصابة ثلاثة آخرين.
وفي الضفة الغربية، استشهد الطفل رضا عوض (15 عاماً) والشاب عيسى عوض (19 عاماً) برصاص قوات الاحتلال قرب مستوطنة كرمي تسور المقامة على أراضي بلدة بيت أمر شمال الخليل، فيما احتجزت القوات جثمانيهما. كما شهدت مدن وبلدات عدة في الضفة الغربية سلسلة من الاقتحامات والاعتقالات، حيث أضرم مستعمرون النار في مركبات فلسطينية بقرية شقبا، واعتقلت قوات الاحتلال مواطناً من قرية رنتيس، واقتحمت نابلس ومدناً أخرى ونفذت عمليات دهم وتفتيش واسعة. ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ جيش الاحتلال والمستوطنون 1659 اعتداءً خلال شهر مايو/أيار الماضي.
وفي سياق آخر، أثار تعميم صادر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بشأن تنظيم استخدام مكبرات الصوت في المساجد ومنع رفع الأذان عبرها في المناطق القريبة من المستوطنات جدلاً واسعاً، وسط اتهامات بأن القرار جاء استجابة لضغوط الاحتلال والمستوطنين، في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بحق المساجد وحرية العبادة.
وفي الشأن السياسي الداخلي، دعت حركة حماس إلى تحقيق توافق وطني شامل يسبق إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، معتبرة أن هذه الخطوة ضرورية لتحصين العملية السياسية وتعزيز شرعيتها الوطنية. وحذرت الحركة من أن إجراء الانتخابات في ظل غياب التوافق الوطني قد يترك آثاراً سلبية على وحدة الصف الفلسطيني ومصداقية المؤسسات الوطنية، مشددة على ضرورة عقد اجتماع وطني عاجل يضم مختلف القوى والفصائل لمناقشة التحديات السياسية الراهنة، بما في ذلك ملف الانتخابات.
وفي سياق متصل، برزت مؤشرات متزايدة على تنامي المخاوف من محاولات استهداف الجبهة الداخلية الفلسطينية في قطاع غزة، حيث حذر التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية من دعوات وصفها بالمشبوهة تهدف إلى نشر الفوضى وضرب السلم الأهلي والمجتمعي، معتبراً أنها تتقاطع مع أهداف الاحتلال الرامية إلى تفكيك النسيج الوطني وإشعال صراعات داخلية تعجز القوة العسكرية عن تحقيقها. وفي السياق ذاته، أعلنت مصادر أمنية فلسطينية إحباط مخطط تخريبي واسع النطاق قالت إنه كان يستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي عبر إثارة الفوضى المسلحة، وكشفت التحقيقات عن ارتباط عناصر متورطة بجهات مرتبطة بالاحتلال وتلقيها توجيهات للتحريض وإشاعة الفوضى، فيما أسفرت العمليات الأمنية عن تفكيك خلايا نائمة وعبوات ناسفة كانت مزروعة في منشآت مدنية ومراكز إيواء.
يتسم المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي بحالة غير مسبوقة من الانقسام والاحتقان الداخلي على خلفية مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية وتداعياتها على المنطقة، بالتزامن مع تصاعد التوتر مع الإدارة الأمريكية بشأن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. ففي الوقت الذي أكد فيه رئيس وزراء العدو أن إسرائيل ستواصل البقاء في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وقطاع غزة ما دامت ضرورية لحماية أمنها، مشدداً على أنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي مهما كانت التطورات السياسية، صدرت توجيهات من المستوى السياسي للجيش بوقف القتال في جنوب لبنان. غير أن وزير دفاع العدو يسرائيل كاتس أكد أن الجيش سيواصل العمل من دون قيود لإزالة التهديدات، معتبراً أن وقف إطلاق النار لا يعني الانسحاب من المنطقة الأمنية أو التخلي عن مواقع الانتشار الحالية.
وفي هذا السياق، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش يستعد لتقليص حجم قواته البرية في جنوب لبنان، بعد تقديرات عسكرية تفيد بأن معظم المهام الهجومية في الحزام الأمني قد أُنجزت. ويتزامن ذلك مع اجتماعات مرتقبة بين طواقم التفاوض الإسرائيلية واللبنانية لبحث مناطق تجريبية سيتم إخلاؤها من عناصر حزب الله وتسليم مسؤوليتها إلى الجيش اللبناني. كما أشارت التقارير إلى ضغوط أمريكية متزايدة لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية حتى ما يعرف بـالخط الأصفر على بعد ثماني كيلومترات من الحدود، فيما تدرس المؤسسة الأمنية تنفيذ انسحابات محدودة من بعض المواقع الواقعة خارج الخط الدفاعي المتقدم، بما في ذلك منطقة قلعة الشقيف، وسط تباين بين من يعتبر البقاء فيها ضرورة أمنية ورمزية ومن يرى أن الانسحاب منها قد يسهم في تعزيز الثقة ودعم التفاهمات الجارية.
سياسياً، كشفت التطورات الأخيرة عن اتساع الانقسام داخل حكومة العدو، إذ هاجم وزيرا الأمن القومي والمالية إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش التفاهم الأمريكي–الإيراني بشدة، ودعوا إلى مواصلة التصعيد العسكري في لبنان، ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية التي اتهمتهما بدفع الكيان نحو حرب استنزاف مفتوحة. وفي المقابل، لجأ نتنياهو إلى الاستعانة بالوزير السابق رون ديرمر لاحتواء غضب الوزراء المعارضين للتفاهمات الأمريكية ومنع تحول الخلافات القائمة إلى أزمة تهدد تماسك الائتلاف الحاكم.
وتعكس استطلاعات الرأي حجم التراجع في الثقة الشعبية بالحكومة وقيادتها؛ إذ أظهر استطلاع أجرته الجامعة العبرية وشمل 3644 مشاركاً أن 92.1% من الإسرائيليين يعتقدون أن إيران خرجت منتصرة من الحرب، فيما يرى 82.9% أن الحرب أضعفت أمن الكيان على المدى البعيد، بينما قال 72.5% إنهم لا يصدقون تأكيدات نتنياهو بشأن تحقيق إنجازات كبيرة. كما تراجعت نسبة تأييده لرئاسة الحكومة من 40.5% في آذار/مارس إلى 29.4% في حزيران/يونيو، رغم استمرار تأييد شريحة من الجمهور لاستئناف عمليات عسكرية واسعة ضد حزب الله حتى لو أدى ذلك إلى خلاف مع الولايات المتحدة.
وعلى صعيد العلاقات مع واشنطن، يتصاعد الخلاف العلني بين الجانبين بصورة غير مسبوقة، حيث تحدثت تقارير عن مكالمات متوترة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو، فيما وجه نائب الرئيس جيه دي فانس انتقادات مباشرة للسياسات الإسرائيلية، متسائلاً عن جدوى مهاجمة الحليف الدولي الأهم للكيان، ومذكراً بالدعم العسكري والمالي الأمريكي الكبير الذي تلقته خلال الحرب. وفي المقابل، اتجهت قطاعات من الإعلام والنخبة السياسية الإسرائيلية إلى تحميل مسؤولية التفاهمات الأخيرة لفريق ترامب المقرب، ولا سيما جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وجيه دي فانس، متهمة إياهم بالتخلي عن المصالح الإسرائيلية، في حين يُقدَّم ترامب في بعض الخطابات الإسرائيلية باعتباره ضحية للضغوط التي تمارسها دائرته المحيطة.
| ثالثاً: الشأن العربي |
تتجه الأنظار إلى واشنطن التي تستضيف الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أمريكية، في محاولة لدفع مسار تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل إلى ترتيبات تنظم الواقعين الأمني والسياسي في جنوب لبنان. وتكتسب هذه الجولة أهمية استثنائية كونها تأتي في أعقاب التفاهمات الأمريكية–الإيرانية الأخيرة، التي أفضت إلى إنشاء خلية مشتركة لفض الاشتباك ومتابعة تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار، بما يعكس تزايد الترابط بين المسارين اللبناني والإقليمي.
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن العدوان الإسرائيلي فشل في تحقيق أهدافه رغم كثافة الغارات التي استهدفت لبنان، مشدداً على رفض المقاومة استمرار الخروقات الإسرائيلية تحت غطاء وقف إطلاق النار أو بقاء الاحتلال في أي جزء من الأراضي اللبنانية. في المقابل، كشفت تسريبات عن جهود يقودها الرئيس اللبناني جوزيف عون لدمج المسارين السياسي والعسكري في المفاوضات الخاصة بجنوب لبنان، استجابة لضغوط أمريكية تهدف إلى تعزيز الإشراف السياسي على العملية التفاوضية وترسيخ التفاهمات الأمنية الناشئة.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد النقاشات داخل دول الخليج بشأن التداعيات الاستراتيجية للتفاهم الأمريكي–الإيراني؛ إذ تنظر بعض العواصم الخليجية بارتياح إلى ما قد يحققه الاتفاق من تهدئة إقليمية وتأمين للملاحة في الخليج ومضيق هرمز، لكنها تبدي في الوقت نفسه مخاوف من أن يؤدي إلى تكريس مكانة إيران كقوة إقليمية أكثر نفوذاً، وإلى تراجع مستوى الالتزام الأمني الأمريكي التقليدي تجاه حلفائه الخليجيين. ويدفع ذلك عدداً من دول الخليج إلى إعادة تقييم منظوماتها الأمنية وشبكات تحالفاتها الاستراتيجية، سواء عبر توسيع مسارات الحوار المباشر مع إيران أو من خلال تنويع مصادر التسليح وتعزيز الشراكات الدفاعية مع قوى دولية وإقليمية أخرى، تحسباً لتحولات محتملة في بنية الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
وفي سياق متصل، شهدت قطر حادثاً صناعياً لافتاً في منطقة رأس لفان الصناعية، بعد وقوع انفجار وحريق في مصنع برزان التابع لقطاع الغاز أثناء مرحلة تشغيلية، ما أسفر عن إصابة 54 شخصاً وفقدان 18 آخرين وفق بيانات وزارة الداخلية القطرية. وأكدت السلطات أن الحادث نجم عن عطل فني أثناء التشغيل، دون تسجيل أي تسرب يشكل خطراً على السلامة العامة، فيما باشرت فرق البحث والإنقاذ التابعة لقوة الأمن الداخلي لخويا والدفاع المدني عمليات البحث عن المفقودين.
وعلى صعيد عربي أوسع، تتواصل المواقف الرافضة للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ إذ أدان الأردن استيلاء سلطات الاحتلال على أراضٍ تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان بالقدس المحتلة، معتبراً الخطوة انتهاكاً للقانون الدولي وللوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة المقدسة. كما شهدت تونس فعاليات تضامنية واسعة طالبت بالإفراج عن ناشطين مرتبطين بـأسطول الصمود، معتبرة أن ملاحقتهم تأتي في إطار استهداف الحراك الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية. كذلك أدانت رابطة العالم الإسلامي الاعتداءات المتواصلة التي ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين ومقدساتهم في الضفة الغربية.
| رابعاً: الشأن الاقليمي |
تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً متسارعاً عقب التقدم المسجل في مسار التفاهم الأمريكي–الإيراني، مع مؤشرات على انتقال المفاوضات من مرحلة تثبيت التهدئة إلى بحث ترتيبات أمنية وسياسية أوسع على المستوى الإقليمي. وقد أسفرت الجولة الأولى، التي رافقها زخم دبلوماسي قادته قطر وباكستان رغم التوتر الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما تبعها من احتجاج إيراني قبل استئناف المحادثات، عن الاتفاق على خريطة طريق تمتد ستين يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، تشمل تشكيل لجنة سياسية رفيعة المستوى ومجموعات عمل متخصصة في الملف النووي والعقوبات وآليات تسوية النزاعات، إلى جانب إنشاء خط اتصال دائم لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز وخلية مشتركة لفض الاشتباك في لبنان، بما يعكس اتساع نطاق التفاهمات ليشمل ملفات الأمن الإقليمي. كما أعلنت طهران إحراز تقدم في ملف رفع القيود عن صادرات النفط والإفراج عن الأصول المجمدة، معتبرة ذلك خطوة أساسية نحو اتفاق شامل.
وفي هذا السياق، انطلقت في سويسرا المرحلة الفنية للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بهدف ترجمة بنود مذكرة التفاهم إلى آليات تنفيذية عملية، وذلك عقب انتهاء الجولة السياسية الأولى. ويترأس الوفد الفني الإيراني نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، بمشاركة خبراء سياسيين واقتصاديين وقانونيين. وفي موازاة ذلك، أعلنت هيئة إدارة مضيق هرمز الإيرانية إعفاء السفن التجارية من الرسوم المقررة لعبور المضيق خلال فترة تفاوض تمتد 60 يوماً، مع اشتراط تقديم طلبات العبور قبل 48 ساعة على الأقل.
وعلى المستوى الداخلي الإيراني، كشف النقاش حول مذكرة التفاهم عن اصطفافات سياسية جديدة تجاوزت الانقسامات التقليدية؛ إذ يضم معسكر المؤيدين طيفاً واسعاً من المعتدلين داخل التيار الأصولي بزعامة قاليباف، والإصلاحيين بقيادة خاتمي، والمعتدلين بزعامة روحاني، في حين تقتصر المعارضة على الأصوليين المتشددين بقيادة سعيد جليلي. وقد صوّت جميع أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي لصالح المذكرة باستثناء جليلي، بينما تدخل المرشد الأعلى لإعادة التوازن برسالة أوضح فيها أنه كان يحمل رأياً مغايراً، لكنه أجاز المذكرة نظراً لتعهد الحكومة بـصون حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة.
وعلى صعيد التحركات الإقليمية، عقد وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان اجتماعاً في القاهرة لبحث صياغة رؤية إقليمية لمرحلة ما بعد الحروب والأزمات، بالتوازي مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان ورفض الحكومة الإسرائيلية الانسحاب. وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن أي اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن يضمن أمن دول الخليج، فيما شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن الكيان يسعى إلى تعطيل مسار الاتفاق وإفشال المفاوضات، معتبراً أن الإرادة السياسية لدى واشنطن وطهران قد تساعد في تجاوز العقبات خلال المرحلة المقبلة.
وفي سياق متصل، تشير قراءات المشهد الإقليمي إلى أن المنطقة، بعد تراجع مفاعيل المواجهة الإيرانية، تتجه نحو مرحلة جديدة من التنافس بين مشروعين للنفوذ يقودهما الكيان وتركيا، لا سيما في سوريا التي يُحتمل أن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين الطرفين. وفي هذا الإطار، أشار مركز إدراك للدراسات إلى أن تصريحات وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي حول احتمال خوض حرب مع سوريا لا تعكس مجرد تهديد عابر، بل تعكس محاولة لإعادة تعريف أولويات التهديد الإسرائيلي بعد دخول الملف الإيراني في مسار تفاوضي مع واشنطن، ونقل بؤرة القلق نحو سوريا وتركيا، في ظل مخاوف من أن يؤدي تعافي سوريا بدعم تركي إلى تقليص هامش التفوق الإسرائيلي غير المقيد.
| خامساً: الشأن الدولي |
تواصل التفاهمات الأمريكية–الإيرانية استقطاب اهتمام القوى الدولية الكبرى، حيث أعربت الصين عن دعمها لجهود الوساطة القطرية–الباكستانية، معربة عن أملها في أن تحافظ واشنطن وطهران على الزخم الإيجابي للمفاوضات وأن تتمكنا من الوصول إلى نتائج ملموسة تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي. كما رحبت سويسرا بالتقدم الذي أحرزته المحادثات التي استضافتها، مؤكدة استعدادها لمواصلة تقديم الدعم اللوجستي والسياسي للعملية التفاوضية في مراحلها المقبلة. وفي السياق ذاته، أكد وزير الطاقة الأمريكي أن عودة الملاحة في مضيق هرمز تسير بصورة طبيعية، مشيراً إلى عبور 67 سفينة عبر المضيق خلال الساعات الماضية واقتراب مستويات تدفق النفط من معدلاتها السابقة للحرب، معتبراً أن مخاطر امتلاك إيران سلاحاً نووياً تبقى أكبر من أي تحديات آنية تواجه أسواق الطاقة، وأن التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة أسهمت في تغيير حسابات طهران ودفعها نحو مسار التفاوض.
أوروبياً، دعا قادة الاتحاد الأوروبي في ختام قمتهم المشتركة مع مجموعة السبع إلى انسحاب الاحتلال من جنوب لبنان وتنفيذ ترتيبات تؤدي إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، مع دعم جهود تعزيز قدرات الجيش اللبناني. وفي هذا الإطار، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العمل على تنظيم مؤتمر دولي لدعم لبنان خلال الأسابيع المقبلة، بهدف توفير غطاء سياسي ومالي للمؤسسات اللبنانية الرسمية. وفي موازاة ذلك، تتجه النرويج إلى تشديد إجراءاتها تجاه الاستيطان الإسرائيلي عبر بحث حظر التعامل مع السلع المنتجة في المستوطنات ومنع المعاملات العقارية المرتبطة بها.
أما على صعيد المنظمات الدولية، فقد حذر مسؤولون أمميون من هشاشة الوضع الإنساني في قطاع غزة رغم التهدئة القائمة، حيث أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر أن الاتفاقات الحالية لا توفر حماية كافية للمدنيين، وأن القطاع لا يزال يواجه حصاراً خانقاً ومخاطر إنسانية جسيمة. وأشار إلى أن غزة لم تعد مصنفة رسمياً ضمن مرحلة المجاعة، إلا أنها لا تزال تعاني أزمة إنسانية حادة، لافتاً إلى مقتل نحو ألف فلسطيني منذ بدء التهدئة، بينهم أكثر من 250 طفلاً، الأمر الذي يعكس استمرار التدهور الإنساني رغم تراجع حدة العمليات العسكرية.
انتهى
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: بانوراما السياسة
مقالات مشابهة
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 08 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 10 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 90 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 85 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 81 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 80 Views






