قانون إعدام الأسرى في إسرائيل: هل يتحول التشريع إلى أداة للقتل؟
في الثلاثين من آذار/مارس، لا يأتي يوم الأرض كمجرد ذكرى عابرة في تقويم النكبات، بل يتجلى كشهادة ميلاد متجددة لوطن يسكننا بقدر ما نسكنه؛ فما برح مفتاح العودة يثقب جدار الذاكرة، وما زالت الحكاية تروى بلسان الجدات.
في هذا اليوم تحديدا، وبينما نغرس انتماءنا في مسام التراب، يخرج الاحتلال بوجه مجرم ليشرعن الموت، مصادقا على قانون إعدام الأسرى، وكأنه يرسل لنا رسالة: لا مكان لكم على هذه الأرض!
هذا القانون يمثل تجسيدا فجا لنظام الأبارتايد القضائي؛ لأنه ليس مجرد تشريع جديد، بل هو محاولة لمأسسة القتل الذي مورس فعليا خلف الستار
تغول قانوني أم سقوط أخلاقي؟
ثمانية وسبعون عاما مرت، والعدو يخشى الاقتراب من هذا المزلق التشريعي، متوجسا من غضبة عربية قد تزلزل أركانه.
أما بعد أن أطبق الخناق على المسرى لأكثر من شهر وسط صمت مريب، تجرأ الكنيست ليصادق نهائيا على قانون الموت.
هذا القرار ليس وليد صدفة، بل هو ثمرة خريف عربي وإسلامي ودولي طويل؛ إنه شرعنة صريحة للقتل، واعتراف رسمي بدموية لم تعد تجد ما تخفيه.
تأملوا معي قسوة البنود التي صيغت ببرود:
- الإعدام شنقا: بواسطة سجان تبقى هويته سرية كخفافيش الظلام.
- نزع الرحمة: عبر إلغاء شرط إجماع القضاة لإقرار حكم الإعدام، وكذلك حظر العفو أو التخفيف.
- وأد الأمل: بمنع إدراج المحكومين ضمن صفقات التبادل، وتنفيذ الحكم في غضون 90 يوما.
- منع العفو: يمنع قادة الجيش الصهيوني من تخفيف الحكم أو استبداله أو منح عفو.
ورغم صدور تقارير حقوقية:
- تذكر أن القانون ليس نهائيا بعد، وهناك احتمالية لإسقاطه في محكمة العدل العليا الإسرائيلية.
- تؤكد أن القانون لا يسري بأثر رجعي، مما يعني أنه لا ينطبق على مقاتلي النخبة الذين شاركوا في أحداث 7 أكتوبر.
- توضح أن القانون يستهدف بشكل رئيسي أسرى الضفة الغربية، حيث يعرف المنطقة بأنها “يهودا والسامرة” وفقا لأنظمة الطوارئ.
لكن هذا تمويه للحقيقة المفجعة: أن نجاح إقرار هذا القانون بشكل نهائي يعني بلا شك أن الطريق بات معبدا لإقرار قوانين أخرى أكثر فتكا بالأسرى.
فهذا القانون يمثل تجسيدا فجا لنظام الأبارتايد القضائي؛ لأنه ليس مجرد تشريع جديد، بل هو محاولة لمأسسة القتل الذي مورس فعليا خلف الستار. فالمحتل الذي يتباكى اليوم على سيادة القانون هو ذاته الذي أعدم تحت سياط التعذيب والتجويع أكثر من 100 أسير، بإيعاز مباشر من بن غفير، كان من بينهم الطبيب عدنان البرش، الذي غادرنا شهيدا قبل أن تصل مشنقة الكنيست إلى رقاب رفاقه.
تلك الأصوات التي تحاول تجميل الموت، زاعمة أن الرحيل إلى بارئهم أهون للأسرى من ذل السجون! يا هؤلاء، نحن أمة تعشق الحياة لتعمرها، لا لتقرر الموت بالنيابة عن أبطالها
رقصة الشمبانيا فوق جراحنا
ما يدمي الفؤاد أكثر من القانون نفسه، هو ذاك المشهد السريالي داخل أروقة الكنيست؛ تصفيق حاد، واحتفالات صاخبة، ووزير الأمن القومي يلوح بزجاجة الشمبانيا محتفلا بشرعنة القتل. كيف تحول العالم إلى غابة يرقص فيها القتلة على أنغام آلامنا؟ أين توارت العدالة في هذه المعمورة الموحشة؟
والأدهى من ذلك، تلك الأصوات التي تحاول تجميل الموت، زاعمة أن الرحيل إلى بارئهم أهون للأسرى من ذل السجون! يا هؤلاء، نحن أمة تعشق الحياة لتعمرها، لا لتقرر الموت بالنيابة عن أبطالها. الأسرى وعائلاتهم يقتاتون على الأمل؛ الأمل باللقاء، والأمل بلمسة يد، والأمل بصبح بلا قضبان. إن انتزاع هذا الأمل هو انهيار كامل لمنظومة الوجود الإنساني، هو حكم بالإعدام على العائلة قبل الأسير.
حكاية خلف القضبان
انظروا إلى أم أحمد، تلك التي تفترش عتبة الباب يوميا، تترصد خبرا يطمئن قلبها المكلوم على ابنها القابع في غيابات السجن.
أحمد هو بطل غزة الذي ترك خلفه ثلاثة أيتام، بعد استشهاد أمهم، يعيشون في كنف جدهم أبو أحمد الذي أنهكته السنين والهموم.
حمزة (17 عاما)، رغد (12 عاما)، وإسماعيل (7 أعوام).. أخبروني بربكم، كيف نقنع هؤلاء الصغار أن والدهم، سندهم الوحيد، قد يعدم دون وداع؟ كيف سينمو هؤلاء بلا ظهر يستندون إليه؟
إن الوجع هنا ليس في الموت نفسه، بل في انتظار الموت تحت سياط قانون جائر، بلا قبر يزورونه، وبلا لمحة أخيرة تبرد لوعة الفقد.
سيبقى ردنا على إجرامهم معجونا بالملح والزيتون: “نحن أصحاب الدار، ولسنا عابري سبيل”..
يا أيها العالم الأصم..
إن هذا التغول القانوني يستوجب صرخة لا تهدأ. إذا كان الاحتلال قد اختار يوم الأرض ليشرعن إجرامه، فليكن يوم الأسير (17 نيسان) يوم غضب عالمي؛ لإيقاف مقاصل الاحتلال واستعادة أبنائنا من برزخ النسيان.
ورغم قتامة المشهد، نستذكر أن المشانق التي نصبها الانتداب البريطاني قديما لم توقف زحف الثوار، بل كانت وقودا لاشتعال المقاومة والثأر للأحرار.
لذلك سيبقى ردنا على إجرامهم معجونا بالملح والزيتون: “نحن أصحاب الدار، ولسنا عابري سبيل”… والأرض لنا، والقدس لنا، والله فوق كل جبار أثيم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






