وسقاهم ربهم شرابا طهورا
حين تصطفّ مدينةٌ بأكملها على طوابير البقاء
بأجسادٍ صغيرة أنهكها الجوع، ونحلت بفعل ندرة الطعام، يصطفّ الأطفال في طوابير طويلة، يحملون بأيديهم “جالونات” بلاستيكية في طابور المياه، و أوعية معدنية في طابور الطعام، في مشهدٍ يختزل معاناة ممتدة وأزمة إنسانية خانقة يعيشها قطاع غزة منذ أكثر من عامين ونصف.
يتشبّث الأطفال بأوعيتهم الفارغة تحت لهيب الشمس الحارقة، كأنها آخر ما تبقَى لهم من أمل، يتقدمون بخطواتٍ بطيئة كلما انتهى دور أحدهم، يترقبون لحظة حصولهم على نصيبٍ يسير من الماء أو الطعام، بلهفةٍ ممزوجة بالخوف من نفاد الكميات قبل أن يصلوا، فيعودوا صفرَ اليدين. في هذه الطوابير، لا يقف الأطفال وحدهم، لكنهم يشكّلون النسبة الأكبر؛ خلفهم يصطفُ كبار السن، وفتيات في مقتبل العمر، وأمهات أنهكتهنّ قسوة الحياة، يجمعهم همٌ واحد وحاجةٌ واحدة.
هنا، في غزة، لم يعد الحصول على الغذاء والماء أمرًا هينًا، بل تحوّل إلى معركة يومية، ورحلة شاقة يقضي الفلسطينيون ساعاتها الطويلة في محاولة تأمين أبسط مقومات الحياة.
هذا الواقع المرير، الناتج عن تدمير البنية التحتية للمياه وتفاقم الكارثة الإنسانية، لم يكن وليد الصدفة. إذ تستخدم سلطات الاحتلال الإسرائيلي المياه والتجويع كأدوات حرب ضد الفلسطينيين، في انتهاكٍ واضحٍ للقانون الدولي الإنساني، وهو ما أشارت إليه تقارير أممية ودولية في أكثر من مناسبة.
وبالعودة إلى جذور الأزمة، يتضح حجم الدمار الذي طال قطاع المياه، حيث تم تدمير أو استهداف نحو 90% من محطات تحلية وتطهير المياه، إلى جانب تدمير آبار المياه وخزاناتها، ومنع إدخال الوقود اللازم لتشغيل ما تبقى من مرافق حيوية. وقد أدى ذلك إلى تراجع حصة الفرد من المياه الصالحة للشرب إلى مستويات خطيرة، لا تتجاوز 10% مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، ما يعمّق معاناة السكان ويجعل الحصول على الماء تحديًا يوميًا لا يقل قسوة عن البحث عن الغذاء.
ورغم قسوة المشهد، لا يزال الفلسطينيون في غزة يتمسكون بحقهم في العيش الكريم، آملين أن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه الطوابير، وأن تصبح مقومات الحياة الإنسانية متاحة بشكل دائم، لا تحتاج لمعارك يومية للحصول عليها.
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






