والصبح إذا تنفس
على هَديِ هذه الآية الكريمة، وحين بدأت الحرب واشتدّ سعير القصف، كان القرآن الكريم ملاذنا الأول الذي هرعنا إليه. كنا نتلو آياته والانفجارات العنيفة تهز الأرجاء، موقنين أن الثبات في طيات سورِهِ، وأن السكينة تتنزل مع كل حرف. فلم يكن غريباً أن نتمسك بالبشريات القرآنية، مؤمنين أن المحنة يتبعها منحة، وأن الضيق مآله الفرج، وأن بعد الصبر راحةً وهناءً.
تُؤنس آيات الله قلوبنا المنهكة، وتُضمد جراحنا في أحلك المآسي. ففي زخم الأيام المثقلة بالأوجاع، نتشبث بالقرآن؛ نتلوه في كل زاوية، ونستحضر آياته في تفاصيل حكاياتنا، نخفف بها وطأة المصاب. نعلم يقيناً أن من أنزل هذا الذكر لن يضيعنا ما دمنا به مستمسكين، فقد كان نِعم الرفيق في أشد الظروف حلكة.
في عتمة الليالي، ومن بين الأنقاض وتحت أكوام الرماد، وبينما كان لهيب الأحزمة النارية يلتهم ما حولنا؛ كانت تطلُّ علينا آيات القُرآن لتسكب في الأرواح طمأنينةً تتجاوز حدود الألم. كنا نوقنُ يقيناً لا يتزعزع بأن الله معنا، وأنّ ظُلمة الليل ستنجلي لا محالة، ليبزغ فجر الحرية والانتصار، وتنقشع الغمّة لنضيء بمداد صبرنا عتمة الأيام بعد طول عناء.
في أواخر أيام الحرب، حُوصرنا لأكثر من عشرين يوماً تحت قصفٍ جنونيٍّ لا يهدأ. ورغم ضيق الحال وهول المشهد، تنزلت على قلوبنا سكينةٌ عصيّةٌ على الوصف؛ فآمنا أشد الإيمان أن هذه الغمة إلى زوال، وأن الله لن يُطيل البلاء، بل سيأتي بالفرج من حيث لا نحتسب. أدركنا حينها أن التجبر والطغيان مهما تعاظم فإنه إلى زوال، فالله أكبر من كل قوة، وأعظم من كل كيد.
ما خاب الظنُّ يوماً بربنا الرحيم؛ فقد وضعت الحرب أوزارها، وأخيراً تنفسنا الصعداء واستشعرنا الراحة والهدوء بعد أيامٍ كانت حالكة السواد. لقد خرجنا من تلك المحنة بقلوبٍ أبصرت النور، لأننا آمنا بمسبب الأسباب ورب الأرباب، وفهمنا يقيناً معنى كثيرٍ من الأيات وتجلّت أمامنا آية “والصبح إذا تنفس”.
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






