نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتطوفان الكلمةقانون الإعدام: عندما يشرعن الاحتلال هزيمته الأخلاقية

قانون الإعدام: عندما يشرعن الاحتلال هزيمته الأخلاقية

يشكّل إقرار قانون إعدام الأسرى من قبل الكنيست الإسرائيلي في 30 مارس الماضي، لحظة تتجاوز بعدها الإجرائي إلى فضاء أعمق بكثير، حيث يتقاطع القانوني مع النفسي والسياسي مع الأخلاقي، ليكشف عن بنية مأزومة تحاول إعادة تعريف ذاتها عبر التشريع. 

فالقضية هنا ليست مجرد نص قانوني جديد، بل تعبير مكثف عن تحوّل في وعي منظومة الاحتلال، وانزلاقها نحو الانتحار الأخلاقي المقنّن.

من الناحية الشكلية، جاء القانون بعد مصادقة نهائية بالقراءتين الثانية والثالثة، بأغلبية 62 عضواً مقابل 48 معارضاً، في مشهد يعكس انقساماً داخلياً لكنه لا يحدّ من خطورة المآل.

 وقد قاد هذا التوجه وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، مدعوماً بعضو الكنيست ليمور سون هارميلخ، ضمن خطاب سياسي يزاوج بين الشعبوية الأمنية والتطرف الأيديولوجي. 

أما على مستوى التطبيق، فقد طُرحت خيارات مثل الحقنة السامة أو الشنق، مع نقاشات خطيرة حول تقييد حق الاستئناف، ما يضع القانون في مواجهة مباشرة مع أبسط ضمانات العدالة الجنائية الحديثة.

غير أن القراءة الأعمق تكشف أن هذا القانون ليس انقطاعاً بقدر ما هو استمرارية مُقنّنة، فمنذ عقود، مارس الاحتلال الإعدام الميداني، سواء عبر عمليات عسكرية أو سياسات إطلاق النار، لكن نقل هذه الممارسة إلى مستوى التشريع يمثل تحوّلاً نفسياً نوعياً.

 إنه انتقال من الفعل الذي يحتاج إلى تبرير، إلى نص قانوني يُراد له أن يمنح الطمأنينة للفاعل، ويعيد صياغة الجريمة بوصفها واجباً قانونياً، بهذا المعنى لا يشرعن القانون القتل فحسب، بل يشرعن أيضاً الراحة الأخلاقية لمن يمارسه.

في هذا السياق، يبرز البعد السيكولوجي بوضوح، فالقانون لا يبدو موجهاً لتحقيق الردع بقدر ما يعكس رغبة في الانتقام، فالمقاوم الذي يواجه احتمالية الموت لا يُردع بالإعدام، بل قد يتحول هذا التهديد إلى عنصر تعزيز لقناعته. 

لذلك، يرى عدد من المحللين أن الهدف الحقيقي يكمن في إرضاء حالة القلق الجماعي داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يعيش هاجساً أمنياً وجودياً، ويبحث عن تفريغ هذا القلق في صورة عقاب نهائي وقاطع.

أما فلسفياً، فإن أخطر ما في القانون هو محاولته سحق مفهوم الأمل، فالأسرى الفلسطينيين، وعائلاتهم،  عاشوا لعقود على فكرة الانتظار: انتظار صفقة تبادل، أو تخفيف حكم، أو فرصة للحرية. 

هذا القانون يسعى إلى إغلاق هذا الأفق تماماً، محولاً العقوبة من سلب للحرية إلى إلغاء للزمن نفسه، هنا لا يصبح الإعدام نهاية للحياة فقط، بل أداة لتعذيب نفسي جماعي يمتد إلى المجتمع بأسره.

ولا يمكن فصل هذا القانون عن طبيعته التمييزية الصارخة، فهو يُطبّق عملياً على فئة محددة بناءً على خلفية قومية، ما يعيد إنتاج نموذج الفصل العنصري في أكثر صوره حدّة، وهو القضاء، الذي يُفترض أن يكون مساحة للعدالة المجردة، يتحول إلى أداة لتعزيز الانقسام، وتكريس نظام قانوني مزدوج، يُقاس فيه الإنسان بهويته لا بفعله.

ومن اللافت تاريخياً أن “إسرائيل”، منذ تأسيسها على أراضي الفلسطينيين عام 1948، لم تنفذ حكم الإعدام إلا مرة واحدة، بحق أدولف آيخمان عام 1962، في سياق استثنائي مرتبط بجرائم النازية. 

هذا المعطى يمنح القانون الحالي دلالة إضافية: فهو لا يعكس فقط تغييراً في السياسة، بل انقلاباً في التصور الأخلاقي للعقوبة نفسها.

في المحصلة، لا يمكن فهم قانون إعدام الأسرى باعتباره أداة قانونية معزولة، إنه مرآة لأزمة عميقة، حيث تحاول منظومة الاحتلال معالجة تناقضاتها الداخلية عبر التصعيد، وتلجأ إلى أقصى أشكال العنف المشرعن لتثبيت روايتها. 

غير أن هذا المسار، بدلاً من أن يعزز شرعيتها، يكشف هشاشتها الأخلاقية، ويضعها أمام سؤال وجودي: هل يمكن لنظام أن يحافظ على بقائه عبر تقنين الإقصاء المطلق للآخر؟

الإجابة، كما يوحي مسار التاريخ، أن التشريعات التي تُبنى على نفي الإنسان، سرعان ما تتحول إلى شواهد على سقوط أصحابها، لا على قوتهم.

 وهكذا، يصبح القانون ليس فقط تهديدًا للأسرى الفلسطينيين، بل شاهدًا تاريخيًا على لحظة انهيار أخلاقي، يتخلى فيها الاحتلال عن ادعاءاته القانونية، ليستبدلها بمنطق القوة العارية، حيث لا يُقاس العدل بما هو حق، بل بما يخدم رواية القوة، حتى وإن كان الثمن هو السقوط الكامل في هاوية الشرعنة القاتلة.

الوسوم
شارك:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة