نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتطوفان الكلمةيومًا يجعل الولدان شيباً..

يومًا يجعل الولدان شيباً..

“مريم” سيدة السبع سنوات

في غزة، لم تعد قواميس اللغة تتسع لوصف ملامح الصغار؛ هنا يسبق الفعلُ العمر، وتشيخ البراءة قبل أن تكتمل فصولها. ابنتي “مريم” ذات السنوات السبع عندما دقت المعركة طبولها، هي وجهٌ واحد من آلاف الوجوه التي اختبرت أهوالاً “تجعل الولدان شيباً”، حيث تلاشت حدود الطفولة الفاصلة بين اللعب العفوي وبين معترك البقاء القاسي.

كانت مريم، حتى وقت قريب، تشغل بالها بتنسيق ألوان دفاترها وتفاصيل دميتها الصغيرة التي لم تكن تفارق وسادتها. اليوم، تبدلت تلك الملامح الرقيقة بوقارٍ لا يشبه سنواتها السبع، وكأن غبار الركام المنبعث من كل زاوية قد رسم على وجهها ملامح نضوجٍ قسري باكر. أراقبها بقلبٍ يملؤه الفخر والوجع معاً وهي تهرع لإنجاز مهامٍ شاقة، لم أكن أتخيل يوماً أن يطيقها جسدها النحيل أو عظامها الغضة؛ أراها وهي تُسابق الكبار في دروبٍ وعرة لحمل أوعية المياه الثقيلة، تمشي بخطوات ثابتة رغم تعثر الطريق وثقل العبء الذي ينوء به الكبار، وتغالب تعبها بابتسامة صمودٍ تسرقها من أنياب الألم.

في طوابير الخبز الممتدة كخيوط من الصبر تحت شمس حارقة، تقف مريم كـ “سيدة صغيرة” وسط الحشود. لا تطلب عوناً، بل باتت بحدسها الطفولي الذي صقلته الحرب تبادر لتخفيف الحمل عني، وكأنها تدرك أن دورها في هذه الحياة قد تجاوز حدود الطفولة التقليدية. لم تعد مريم تسأل عن ألعابها التي دُفنت تحت الركام، بل باتت “خبيرة” في جودة الطحين، ومسؤولة عن مراقبة امتلاء الخزانات بدقة تثير الدهشة.

هذا التحول النفسي العميق ليس مجرد شجاعة عابرة، بل هو توثيق حي لكيفية إعادة صياغة الإنسان في غزة؛ حيث تُنتزع البراءة قسراً لتُزرع مكانها صلابة الجبال. إن مريم اليوم لا تحمل الماء والخبز فحسب، بل تحمل على عاتقها رواية شعبٍ يأبى الانكسار. هي صرخة في وجه الضمير العالمي ليرى كيف تُصاغ البطولة من تفاصيل يومية بسيطة، أبطالها أطفالٌ دفعوا ثمن الصمود من طفولتهم، ليثبتوا للعالم أن الحكاية الفلسطينية تولد من جديد في عيون كل طفلٍ نضج قبل أوانه….

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة