ففروا إلى الله
حين تضيق الأرض… تتّسع السماء: الصلاة ملاذ الغزيين الأخير
وفي مدينةٍ أثقلتها الحرب، قد تكون الصلاة أكثر من عبادة…قد تكون آخر ما تبقى للناس من طمأنينة، وأول ما يمنحهم القدرة على البقاء. لذلك، حين يقف الفلسطيني في غزة للصلاة اليوم، فهو لا يؤدي عبادة فحسب، إنه يعلن بصمتٍ عميق إيمانه بأن القوة التي تحكم هذا العالم ليست الصواريخ ولا الطائرات، بل الله. لم تعد الصلاة في غزة مجرد عبادة يومية تؤدّى في المُصليات أو البيوت، بل تحولت إلى ملاذ أخير للأرواح المتعبة، مساحة ضيقة من الطمأنينة وسط بحر من القلق، ونافذة روحية يطل منها الناس على يقينٍ لا تهدمه الحرب.
في خيام النزوح، حيث تتكدّس العائلات وتتشابك الحكايات المؤلمة، تتغير ملامح المكان حين يحين وقت الصلاة، أحد الرجال يفرش قطعة قماش صغيرة على الأرض الرملية، وامرأة تزيح إناء الماء جانبًا لتفسح مساحة للسجود، وأطفال يقفون في الصفوف الأولى يقلدون حركات الكبار. الخيمة التي ضاقت بأوجاع أهلها تتحول فجأة إلى مصلى بسيط، يتسع لقلوب أثقلتها الحرب. وفي إحدى زوايا المخيم، يقف أبٌ فقد بيته، وإلى جانبه ابنه الصغير الذي ما زال يسأل متى سيعودون إلى منزلهم، يرفع الأب يديه بالتكبير، وكأن تلك الحركة البسيطة هي الطريقة الوحيدة ليخبر قلبه أن شيئًا ما ما زال ثابتًا في هذا العالم.
أما تحت الأنقاض، فالصلاة تبدو أكثر قسوة وأكثر صدقًا في آنٍ واحد، بين كتل الإسمنت المتكسرة وحديد التسليح البارز، يقف ناجون خرجوا لتوّهم من بين الركام، يمسح أحدهم الغبار عن جبينه، ويبحث آخر عن قطرة ماء يتوضأ بها. وبعد لحظات قليلة، يقفون في صفٍ صغير فوق ما تبقى من بيوتهم، وكأنهم يعلنون بصمت أن هذه الأرض، رغم كل شيء، ما زالت تستحق السجود عليها. حتى الطرقات المدمرة لم تعد تخلو من مشاهد الصلاة، عند أحد المفترقات التي تحولت إلى كومة حجارة، يصطف عدد من الرجال لأداء الصلاة جماعة، تمرّ سيارات الإسعاف من جانبهم، ويعلو في السماء صوت الطائرات، لكن الصف يبقى ثابتًا، الأكتاف متراصة، والجباه تنحني نحو الأرض بثباتٍ يشبه التحدي الصامت.
في غزة، يبدو السجود مختلفًا، ليس مجرد حركة عابرة في صلاةٍ يومية، بل لحظة طويلة يثقلها كل ما حملته الأرواح من خوفٍ وفقدٍ وتعب، حين تنحني الجباه نحو الأرض، تبدو السجدة أطول قليلاً من المعتاد؛ كأن الأرض التي أثقلها الركام صارت أقرب إلى السماء، وكأن المسافة بين الإنسان وربه تقلّصت فجأة تحت وطأة الألم. في ذلك الانحناء العميق، يسلّم الغزيون خوفهم كله لله، يتركون خلف ظهورهم هدير الطائرات وأصوات الانفجارات، ويتمسكون بيقينٍ بسيط لكنه راسخ: أن القاضي على هذه الأرض ليس الطائرات ولا القنابل، بل الله وحده.
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






