نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

بأي ذنبٍ قُتلت

لم أتخيل يوماً أن الأجساد الناعمة البريئة أن تحتمل أطنان الصواريخ المحرمة دولياً، وأن تتصدى لجبروت طُغاة الأرض، لكن أطفال فلسطين وبالتحديد أطفال غزة أصبحوا أهدافاً مستباحة، ولحماً طريّاً للاحتلال الإسرائيلي والصواريخ الأمريكية التي تنهال على أهالي قطاع غزة، في حربٍ مسعورة شنها الاحتلال بدعمٍ أمريكي أمام أنظار العالم بأسره وعلى الهواء مباشرة، ليرتكب الإبادة الجماعية دون أن يلجمه أحد.

في ذات يومٍ من أيام المحرقة التي ارتكبها الاحتلال كنت أسير في ممرات مركز إيواء النازحين بالمنطقة الوسطى لقطاع غزة التي لجأنا إليها ونحن نبحث عن زاوية نجلس بها ونحتمي بها من بطش الطغاة، شاهدت إحدى النساء، تجلس وتضع يدها على وجهها، تسرح بخيالها، تذرف دموعها، اقتربت منها حدثتها؛ لكنها الفاجعة أن مولودها الذي ولد فجر يومٍ مليئ بالقصف، كان يحتاج إلى حضانة المستشفى، وعودة الأم لمنزلها، لكنها لم تكن تتخيل أن هذه اللحظات ستكون فراقاً دون وداع، حاصرت دبابات الاحتلال المشفى، والأم محاصرة في بيتها الذي يبعد أمتاراً قليلة عن المشفى، أجبر الاحتلال الأم وعائلتها على النزوح جنوباً من مدينة غزة، تاركةً مولودها برفقة الأطفال الذين وضعوا في غرفة الانعاش للبقاء على قيد الحياة، لكن الاحتلال لم يعرف معنى ذلك، بل قتل كل الأطفال في حضانة المستشفى وقتل قلوب أمهاتهم اللواتي كنّ ينتظرن أبنائهن بشوقٍ وحنين، لتبقى تلك القلوب حزينة تبكي ليل نهار دون جدوى.

أما المجزرة التي لم تفارقني مشاهدها التي رأيتها بأم عيني حين أحضر رجال الإسعاف ملابس الأطفال تلتصق بها بقايا لحمٍ من أجسادهم التي تبخرت بفعل الصواريخ الحارقة، لتكون دليلاً لكل من يبحث عن صغيرٍ فُقد، لكنها الكارثة أن الأغلب رحل مع عائلته في إبادة وجريمة مصورة لم يهتز لها ضمير، ولم يتحرك أحداً.

سمعت صراخ إحدى الأمهات تركض نحو الإسعاف تبحث عن صغيرها، شاهدت رجل الإسعاف يحمل بلوزة زرقاء اللون ملطخة بالدماء، قلت يبدو هي لطفلٍ يبدو أنه مصاب، لكنني لمحت بقايا لحمٍ أبيض اللون، تلحق برجل الإسعاف، وتحمل حقيبة النزوح التي عُثرت على بقاياها من بين أنقاض المجزرة، لكن الفاجعة أنها احتضنت ما تبقى بيد رجل الإسعاف وأخذت تودع برائحة نجلها الوحيد الراحل ليلحق من سبق من والده وإخوانه ويترك فؤاد أمه وحيدا مكسوراً. لم تكن تلك الحقيبة الممزقة ولا تلك البلوزة الملطخة مجرد بقايا قماش، بل كانت شهادة وفاة لضمير عالمي يدّعي الإنسانية ويصمت أمام أشلاء الرضع، إن غزة اليوم لا توثق أرقاماً في سجلات الضحايا، بل تسجل أسماء ملائكةٍ غادروا قبل أن يدركوا معنى الحياة، قُتلت أحلامهم في مهادها، وأُحرقت براءتهم بنيران حاقدة، ليبقى السؤال الذي يزلزل القلوب ويقرع أبواب السماء: بأي ذنبٍ قتلت؟

لكن، ورغم بشاعة المحرقة وأطنان الصواريخ، يخرج من بين الركام جيلٌ لا يعرف الانكسار؛ طفلٌ يلملم ألعابه المشتعلة ليصنع منها رمزاً للثبات، وأمٌّ تضمد جرح قلبها بالصبر لتقول للعالم بأسره: “إنا باقون”. إن هذا اللحم الطري الذي أرادوا تبخيره، تحوّل إلى بذورٍ مغروسة في تراب الأرض، تنبت كرامةً وتزهر صموداً أسطورياً، قد يحرقون الأجساد، لكنهم لن يحرقوا الحُلم، ولن يكسروا إرادة شعبٍ يرى في الفجيعة وقوداً للاستمرار، وفي الصرخة نداءً للحرية التي لا بد أن تشرق شمسها من رحم هذا الوجع العظيم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة