نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

وجوه يومئذٍ ناضرة

وجوه، ملامح وصور، تسكن القلوب، والجدران

في سنوات طفولتي المتأخرة، شاهدت وثائقياً حول الحرب الإسرائيلية على لبنان مطلع الثمانينات، لم أنتبه كثيراً للتفاصيل التاريخية، وتسلسل الأحداث، أكثر ما قرع شعوري، هو حكايا الشهود، صورة واحدة لم تغادر ذاكرتي، ظلّت معششة داخلها، دون أن تطالها يد الزمن؛ صورة لامرأة في أواخر ستيناتها، تلف رأسها بمنديل معقود على رقبتها أسفل الذقن، تحمل صورة شاب نضر في بداية العشرين، تروي حكايتها المريرة، وتفيض عيناها بكل أسى الدنيا.

كانت تحكي عن ابنها الذي فقدته في عاصفة الحرب، حتى لم تعلم عن مصيره خبراً ينبئها بنجاته أو بموته، أسمته “مفقود”، وهي تهيم في شوارع المدينة الخراب بحثاً عن طرف خيط، ولو كان خيطاً لكفن! لكن دون جدوى، عرض الفيلم مشاهد للسيدة وهي تتفحص الجثث المتحللة الملقاة في الشوارع، وتبحث في نعش كل محمول إلى الدفن، وعلى جدارٍ في مدخل بلدتها، عُلّقت صور لوجوه ناضرة، يعلوها عنوان “مفقودون”، لكل وجه حياة، مستقبل، وأمل، وأهل يجتهدون في إضافة تفاصيل أكثر تحت الصورة في كل مرة يتفقدون فيها الجدار..

بكت تلك الأم بكاء مريراً وهي تناشد العالم أن يخبرها أين يكون ابنها، في أي حيٍّ، في أي سجن، أو في أي قبر!

لكن العالم آنذاك، لم يكن يستمع، وظلّ يفقد قدرته على السمع كلما أوغل الغزاة في جبروتهم..

صورة تلك الأم الملوعة، وهي تحمل صورة ابنها في حضنها لم تغادرني، شيء ما شدّني لذلك الوجه الذي خطّ فيه الزمن تاريخ مأساة كبرت في ظلها، وشدني للوجه الآخر اللامع المصقول في الصورة، كرمز مقدس للمجهول، لا يجوز نعيه، ولا إمكانية لاستدعائه، تعلّق ذلك المشهد في ذاكرتي كأنه وعد مؤجل، لموعد أقابله فيه من جديد.

دارت الدنيا، ثم رأيت تلك الوجوه من جديد، رأيت تلك السيدة في وجه أمي المتعب من غياب صغيرها دون خبر، في وجه أخي الملتصق في شاشة كل هاتف، وإطار كل خزانة، ثم رأيت وجوهاً أخرى، وأخرى، آلاف، كلها نسخ من ذات الصورة، أم يلوعها المجهول، وشاب في إطار صورة..

يؤرّق ليل هذه المدينة حزن دفين حين تستعرض وجوههم، وتخنق هدوءه غصة مكبوتة، وهي تنتقل إلى يوم جديد في قيد مصيرهم المجهول..

يجيء هذا الوصف “المفقودون”، في ذيل قائمة الأعداد التي لم يعد أحد يحفظ أرقامها، لكنّه أشدّها وطأة، وأكثرها ألماً؛ ففي الوقت الذي تقرأ المذيعة تلك الأعداد باحتراف وآلية، هناك أمٌّ يخفق قلبها جزعاً، كلّما سمعت بقبرٍ مجهول، موسومٍ بوصف صاحبه: “طويل وناصح لابس ترنق توتي وكحلي”، وتبكي بحُرقة رغم أن أوصافه لا تطابق أوصاف فقيدها..وتنتظر..

للشهداء وجوه لا تخطئها العين، يقرأها القلب بخفقة موجعة،  تؤكد أن وجهاً كهذا لا بدّ راحل، ولأولئك الغائبين وجوه تعرف فيها نضرة النعيم، لكنّ فيها مسحة من طين، يتمسك بها العقل لعلها دليل حياة..

ومنذ زمن السيدة في بيروت، ظلّ حائط الصور العتيق ذاك يكبر ويتمدد، وينتصب في كل بلاد، كجسرٍ بين الأرض والسماء، لا ينشدّ إلى الأولى فتحتويه ليكمل ما قدّر له من حياة، ولا يرتقي إلى الثانية فيسلم الروح للملكوت.

تعذّبنا الوجوه التي في الصور، حتى إذا سلّمنا بالواقع المرير، أبصرنا في كل شيء حولنا مرايا للغائبين؛ وجوهاً لأحياء تذكرنا بأشباهها المفقودين، تتشابه الملامح، فيثور الشجن، لكن تَرْسخ الذكرى.

نراهم حولنا في كل احتمالية تطابق: عمر، طول، لون، اسم، ملامح، وفي كل حاضر لمحة من غائب، أسبغناها عليه كي لا ننسى. نبصر وجوههم في كل من حولنا، في مدينة سرقت المأساة من أهلها وداع أحبتهم، ووجوه شهدائهم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة