نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتالتقرير السياسيمسار حرب الاستنزاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وآفاقها القريبة

مسار حرب الاستنزاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وآفاقها القريبة

مقدمة

منذ اندلاع المواجهة في 28 فبراير/شباط 2026، دخلت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران على فرضية مركزية مفادها إمكانية تحقيق صدمة استراتيجية سريعة تؤدي إلى إسقاط النظام واستبداله بنظام قادر على التفاهم مع الأميركان والتخلي عن طموحاته النووية وعدم تهديد الكيان الصهيوني، أو على الأقل تفكيك القدرات العسكرية للنظام وإضعافه. إلا أن الأسابيع الخمسة الأولى من القتال أعادت تشكيل هذه الفرضية بالكامل، حيث فشل خيار الحسم السريع، وتحوّل الصراع تدريجيًا إلى حرب استنزاف متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجبهات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية.

فقد أظهرت العمليات الجوية المكثفة – رغم حجمها غير المسبوق – حدود قدرتها على تحقيق نتائج سياسية حاسمة، في مقابل نجاح إيران في امتصاص الضربات والحفاظ على تماسكها الداخلي، مع الاستمرار في توجيه ضربات محسوبة تعيد إنتاج معادلة الردع. وبذلك، لم يعد معيار الانتصار مرتبطًا بحجم التدمير والقتل المستهدف للقيادات، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة وإدارة الزمن. وفي موازاة ذلك، بدأت تداعيات الحرب تتجاوز الإطار العسكري لتطال بنية الاقتصاد العالمي، مع اضطراب إمدادات الطاقة، وارتفاع الأسعار، وعودة التوتر إلى سلاسل التوريد، ما حوّل الصراع إلى اختبار فعلي لاستقرار النظام الدولي بأسره.

استنزاف موجّه وحشد عسكري

بعد شهر من المواجهة، استقرّت الحرب عند تفوق ناري أميركي–إسرائيلي يقابله صمود إيراني وقدرة على إلحاق أضرار استراتيجية بالكيان الصهيوني والقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة. غير أن تطورات الأيام الأخيرة، خصوصًا قرار الرئيس ترامب تأجيل استهداف قطاع الطاقة الإيراني حتى 6 أبريل/نيسان المقبل، بالتوازي مع تسريع الحشد العسكري، تشير إلى انتقال نوعي نحو ما يمكن تسميته بـ “استنزاف مُدار” يهدف إلى تهيئة المسرح لضربة محدودة ذات أثر سياسي.

هذا القرار يعكس حجم الفشل الأميركي الإسرائيلي؛ ولكنه في نفس الوقت يمنح واشنطن وقتًا لاستكمال الجاهزية العسكرية، ويفتح نافذة تفاوضية أخيرة، وفي الوقت نفسه يبقي الضغط النفسي على طهران.

وتشير المعطيات الميدانية إلى خطوات أميركية حثيثة لرفع عديد القوات الأمريكية في المنطقة إلى ما يقارب 30 ألف جندي، مع نشر واسع لعناصر الفرقة 82 المحمولة جوًا، وتعزيزات من مشاة البحرية ووحدات العمليات الخاصة. هذا الحجم لا يؤشر إلى نية غزو شامل لإيران، بل إلى التحضير لعملية برية محدودة ومركّزة، يُرجّح أن تستهدف نقاطًا استراتيجية ذات قيمة عسكرية أو اقتصادية، مثل جزيرة خرج أو مضيق هرمز أو حتى محاولة السيطرة على ما يقدر بـ 440 كجم من اليورانيوم المخصب. وسيشكل نجاح الولايات المتحدة في كسب هذه العملية مخرجاً مناسبا للرئيس الأميركي لإعلان النصر أو الدخول في المفاوضات من موقع القوة، حيث لم يعد يمتلك الكثير من الوقت لإنهاء المعركة مع إيران، إذ إن تفويض الحرب هو لـ 60 يوماً فقط قبل أن يضطر ترامب للعودة للكونغرس لنيل التفويض للاستمرار بها، هذا فضلاً عن تصاعد التململ في الشارع الأميركي من ارتفاع أسعار المحروقات، بما قد يؤثر على شعبية ترمب وحزبه الجمهوري على أبواب التجديد النصفي للكونغرس في 11/2026.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في طبيعة الهدف، بل في محاولة كسر الجمود الحالي، وتعديل ميزان التفاوض عبر إنجاز عسكري محسوب. بمعنى آخر، لم تعد واشنطن تكتفي بإدارة الاستنزاف، بل تسعى إلى توجيهه نحو نقطة ضغط قد تفتح مسارًا سياسيًا جديدًا.

وهكذا، وبينما يتم تعزيز القوات والاستعداد لعملية برية، تستمر تصريحات الرئيس الأميركي حول تقدم المفاوضات وإمكانية التوصل إلى تسوية، الأمر الذي يعكس مأزقًا استراتيجيًا: فالولايات المتحدة لا تمتلك مسارًا واضحًا لتحقيق نصر حاسم، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الانسحاب دون إنجاز ملموس. لذلك، يبدو أن التصعيد المحدود أو المدار يُستخدم كمحاولة لإيجاد مخرج سياسي، حتى لو أدى هذا التصعيد إلى الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب.

إعادة تعريف الأهداف الإسرائيلية

بالتوازي مع هذا التحول الأمريكي، تكشف المعطيات – بما فيها ما أوردته مصادر صحفية- عن مراجعة إسرائيلية جوهرية لأهداف الحرب. فبعد تراجع الرهان على إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات الجوية أو تحفيز اضطرابات داخلية، أعادت تل أبيب توجيه استراتيجيتها نحو هدف أكثر واقعية: إلحاق شلل طويل الأمد بالقدرات العسكرية والصناعية الإيرانية.

وقد تجلّى ذلك في حملة جوية منهجية استهدفت مصانع السلاح، ومراكز تطوير الصواريخ، والبنية البحثية، بل ومصانع الكعكة الصفراء والماء الثقيل ومصانع الأسمدة، مع تكرار ضرب الأهداف نفسها لتعميق الأثر التدميري. هذا التحول يعكس إدراكًا بأن الحسم العسكري غير ممكن في المدى القصير، وأن البديل هو إضعاف الخصم بنيويًا ضمن إطار استنزاف طويل. إلا أن هذا النهج، رغم فعاليته التكتيكية، لا يقدّم مخرجًا للحرب، بل يرسّخ استمرارها.

الاستراتيجية الإيرانية: رفع الكلفة، واستخدام الأدوات

في المقابل، لم تُظهر إيران تغييرًا جوهريًا في عقيدتها القتالية، فهي تواصل امتصاص الضربات، مع الحفاظ على قدرتها الصاروخية، وتفعيل أدواتها غير المباشرة في الإقليم مثل حزب الله الذي انضم للمعركة بقوة، فضلاً عن الضربات التي توجهها الميليشيات الشيعية العراقية ضد الأهداف العسكرية والمصالح الأميركية في المنطقة، وذلك بما يضمن استنزاف الخصم دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.

وعلى المستوى السياسي، تبدو طهران منفتحة على التفاوض، لكنها ترفض الإطار الأميركي الذي يقوم على شروط قصوى تشمل تفكيك البرنامج النووي وتقييد القدرات الصاروخية وإنهاء النفوذ الإقليمي. هذا التباين البنيوي يجعل الفجوة التفاوضية عميقة، ويعزز فرضية أن إيران تراهن على عامل الزمن، باعتبار أن إطالة أمد الحرب ستؤدي إلى تآكل الإرادة السياسية لدى خصومها.

إمكانية انخراط دول الخليج: من الدعم إلى المخاطرة

أحد التطورات اللافتة يتمثل في تزايد احتمالات انخراط دول خليجية، مثل السعودية والإمارات، في دعم العمليات الأميركية، سواء عبر تقديم قواعد خلفية أو دعم لوجستي، وربما حتى المشاركة المباشرة في التحرك البري الأميركي خصوصاً إذا اتجه نحو السيطرة على جزيرة خرج. ورغم أن هذا الانخراط قد يعزز القدرة العملياتية للتحالف، إلا أنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية كبيرة، إذ يضع هذه الدول ضمن دائرة الرد الإيراني المباشر، سواء عبر استهداف البنية التحتية للطاقة أو عبر عمليات غير تقليدية.

ولهذا السبب نأت كل من قطر وعمان بنفسيهما عن التعاون مع الولايات المتحدة لشن هذه الهجمات، وكانت هناك تصريحات متزنة أصدرها رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد عبد الرحمن آل ثاني، حينما تحدث عن التعايش مع الجوار الإيراني، على عكس التصريحات التي صدرت من الإمارات بتكثيف التعاون مع إسرائيل رداً على استهداف إيران لقواعد ومصالح أميركية، بل وحتى مدنية في دول الخليج العربي. وفي هذا السياق يجري الحديث عن صفقة أنجزتها قطر مع إيران تم بموجبها وقف استهدافها بالصواريخ والمسيرات منذ عدة أيام، فيما شهدت عمان وضعاً مماثلاً.

من ناحيتها، اكتفت السعودية بالحديث عن حق الرد على الهجمات الإيرانية على أراضيها، ولكن تقارير متعددة أشارت إلى احتمال تسهيلها مهمة القوات البرية الأميركية لتنفيذ عمليات محدودة ضد إيران.

إلا أن توسع دور هذه الدول قد يؤدي إلى نقل الحرب من مستوى الاستنزاف المدار إلى مستوى التصعيد الإقليمي المفتوح من خلال احتمال انضمام الحوثي للمعركة وقيامه بإغلاق مضيق باب المندب واستهداف السفن الأميركية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية حادة.

السيناريوهات المتوقعة في المدى القريب

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة القادمة:

السيناريو الأول، يتمثل في تنفيذ عملية أميركية محدودة تستهدف موقعًا استراتيجيًا (خرج أو هرمز أو موقعاً نوويا) أو حتى النجاح في تحقيق إنجاز تكتيكي باغتيال قادة مثلاً، يستطيع ترامب أن يخرج بعده بإعلان النصر ووقف الحرب.

وفي حال عدم انخراط بعض الدول الخليجية في أي من هذه العمليات، قد يعقبها رد إيراني مضبوط، دون تصعيد من الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب، ما قد يؤدي إلى استمرار الاستنزاف مع رفع سقفه دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وقد تحقق الضربة الأمريكية أثرًا سياسيًا كافيًا لفرض هدنة مؤقتة قد تشمل جنوب لبنان أو لا تشمله، دون معالجة جذور الصراع، ما يعني تجميده لا إنهاءه.

ويبدو أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، في ضوء معطيات الحشد الأميركي، وفشل كل من أميركا وإسرائيل بتحقيق أهدافهما من خلال الحملة العسكرية حتى الآن، وضيق الوقت المتاح لترامب.

وفي حال شاركت دول الخليج في ضربة أوسع وجاء الرد الإيراني واسعًا أو شمل دول الخليج، مع تصعيد الحوثيين وإغلاق المضيق، فسيؤدي ذلك إلى تعطيل الخليج العربي والبحر الأحمر، وتوجيه ضربة للبنية التحتية للطاقة هناك وحدوث صدمة اقتصادية عالمية. فضلاً عن إمكانية تحريك إيران للأقليات الشيعية في بعض بلدان الخليج مثل البحرين والكويت. من الجهة الأخرى، هناك إمكانية لمحاولة زيادة الكلفة البشرية على إيران بتوسيع استهداف المدنيين لتحريض الشارع الإيراني. كل ذلك سيؤدي ذلك إلى إطالة أمد الحرب إلى أسابيع عديدة، وقد تتوقف الحرب بالتوصل لاتفاق يضطر له الطرفان وفق حساباتهما يخرج فيه كل طرف بادعاء النصر.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تأجيل إضافي للعملية العسكرية الإضافية نتيجة استمرار المفاوضات والوساطات أو تعقيدات ميدانية، ومن المؤشرات الواضحة التي تعززه، تصاعد جهود الوساطة التي تقودها تركيا وباكستان ومصر، وتقديم ويتكوف وكوشنر اقتراحات وإن بدت متشددة، ولكنها تعبر عن رغبة تفاوضية تدعمها رغبة الخليج العربي بوقف الحرب بسبب آثارها المدمرة عليه.

وسيُفسَّر هذا التحرك كتعزيز للموقف الإيراني وتعميق للمأزق الأميركي، ولكنه سيمثل في ذات الوقت مخرجاً لاستمرار النظام وصموده. ولكن هذا سيترك الصراع مفتوحاً بين الطرفين، وستستمر الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان.

السيناريو الثالث، يمكن أن يتطور من السيناريو الأول، حيث يمكن أن تتطور المواجهة وتتعقد إلى حرب إقليمية بما في ذلك تعميق العملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، واستهداف البنية التحتية وكوادر حزب الله والمقاومة بما فيها حماس في عموم لبنان، مع تعميق أزمة الطاقة العالمية بشكل قد يدفع الأوروبيين على الانضمام للمواجهة، بما يشكل استفزازاً لمشاركة روسيا.

وعليه، فإن الأسابيع القادمة، وخصوصًا مع اقتراب موعد 6 أبريل/نيسان، لن تحدد نهاية الحرب، بل ستحدد اتجاهها: إما تثبيت معادلة الاستنزاف كإطار طويل الأمد، أو الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد يعيد تشكيل توازنات الإقليم والنظام الدولي على حد سواء.

رابط تحميل هذا التقرير PDF

المصدر: واحة السياسة

الوسوم
شارك:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة