نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتالتقرير السياسياعتبارات الموقف الصيني من الحرب على إيران

اعتبارات الموقف الصيني من الحرب على إيران

بسم الله الرحمن الرحيم

تحليل سياسي

اعتبارات الموقف الصيني من الحرب على إيران

أولاً: السياق العام

تمثل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران اختباراً حقيقياً لطبيعة العلاقات الدولية ولمستقبل النظام العالمي متعدد الأقطاب الذي تسعى كل من روسيا والصين إلى ترسيخه، كما أثارت تساؤلات حول مدى استعداد القوى الكبرى لترجمة علاقاتها السياسية والاقتصادية إلى دعم عسكري مباشر في أوقات الحروب.

فخلال السنوات الماضية، راهنت إيران على توسيع وتعميق علاقاتها مع كل من روسيا والصين ضمن استراتيجية تهدف إلى تخفيف أثر الضغوط الغربية والعقوبات الأميركية، وبناء شبكة من الشراكات الدولية توازن النفوذ الأميركي. غير أن الحرب كشفت حدود هذه العلاقات؛ فعلى الرغم من أهميتها السياسية والاقتصادية، فإنها لا ترقى إلى مستوى تحالف عسكري قادر على توفير مظلة ردع فعالة في مواجهة الولايات المتحدة.

وقد أظهر الموقف الصيني من الحرب على إيران مفارقة لافتة؛ إذ قدمت الدبلوماسية الصينية خطاباً سياسياً داعماً لطهران وتصريحات منددة بالهجمات العسكرية، بينما يعكس السلوك العملي مقاربة أكثر حذراً تقوم على منع سقوط إيران، دون الانخراط في الدفاع العسكري المباشر عنها خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى مواجهة شاملة مع الغرب قد تعطل مسيرتها التنموية أو تورطها في صراع طويل الأمد.

ثانياً: استراتيجية القوى الكبرى في إدارة التحالفات

تختلف طبيعة العلاقات الدولية في المرحلة الراهنة عن أنماط التحالفات التقليدية المعروفة. فالقوى الكبرى باتت تميل إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات المرنة مع الدول الأخرى، بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة دون الالتزام بالدفاع عنها عسكرياً في حال اندلاع نزاعات.

وفي هذا السياق، لا تُدار العلاقات الدولية وفق منطق التحالفات الأيديولوجية أو الالتزامات غير المشروطة، بل وفق حسابات المصلحة وتوازن القوى. فالهدف الأساسي من الشراكات الاستراتيجية ليس تبني الشريك بالكامل، بل منع الخصم من تحقيق تفوق استراتيجي حاسم.

ضمن هذا الإطار، تنظر روسيا والصين إلى علاقتهما مع إيران باعتبارها علاقة مصالح مشتركة لا ترقى إلى مستوى التحالف العسكري. فإيران تمثل ثقلاً جيوسياسياً مهماً في مواجهة النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، كما تؤدي دور أداة استنزاف غير مباشر للولايات المتحدة، فضلاً عن كونها عقدة مهمة في شبكة التبادل التجاري، خصوصاً بعد العقوبات الغربية.

ومع ذلك، فإنها لا تمثل مصلحة وجودية للصين أو روسيا، كما تمثل أوكرانيا بالنسبة لموسكو أو تايوان بالنسبة لبكين. وهذا التمييز في طبيعة المصالح يفسر التباين الواضح بين الدعم السياسي العلني وغياب الالتزام العسكري المباشر.

ويظهر هذا النمط بوضوح في السياسة الصينية تجاه عدد من الأزمات الدولية. ففي حرب أوكرانيا، تبنت بكين موقفاً سياسياً قريباً من روسيا دون أن تقدم دعماً عسكرياً مباشراً لها، مفضلة الاكتفاء بالدعم الدبلوماسي والاقتصادي. كما اتخذت موقفاً مشابهاً في تعاملها مع فنزويلا، حيث ركزت على حماية مصالحها الاقتصادية مع الحفاظ على قدر كبير من المرونة السياسية. في المقابل، قدمت الصين دعماً عسكرياً أكثر وضوحاً لباكستان، نظراً لاعتبارات استراتيجية تتعلق بقربها الجغرافي من الصين، وأهميتها في موازنة النفوذ الهندي في جنوب آسيا

ثالثاً: الموقف الصيني

تعكس مواقف الصين من الحرب على إيران، كما تظهر في بيانات وزارة الخارجية الصينية وتصريحات مندوبها في مجلس الأمن الدولي وتقارير وكالة شينخوا، مقاربة مركبة تتسم بدرجة عالية من الحذر، إذ تسعى بكين إلى الحفاظ على شراكتها مع طهران من جهة، وتجنب الانجرار إلى مواجهة مكلفة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، مع الاكتفاء بأدوات سياسية ودبلوماسية دون الانخراط المباشر والعلني في الصراع.

وفي هذا السياق، رفضت الصين بشكل واضح الضربات الأمريكية–الإسرائيلية واعتبرتها انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، محذّرة من تداعيات استمرار الحرب على الاستقرار الإقليمي والدولي. وفي الوقت نفسه، حرصت على إظهار قدر من التوازن عبر انتقاد استهداف المدنيين والبنى غير العسكرية من جميع الأطراف، بما في ذلك الهجمات الإيرانية على دول الخليج، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة هذه الدول وأمنها.

وعلى الصعيد السياسي، تطرح القيادة الصينية على لسان وزير خارجيتها، خطاباً يرفض منطق القوة وقانون الغاب، مع التشديد على أن هذه الحرب لم يكن ينبغي أن تقع، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات تواصل مع واشنطن في إطار إدارة التنافس بين الطرفين. كما برز موقف بكين داخل مجلس الأمن من خلال الامتناع عن التصويت على مشروع قرار متعلق بالتصعيد، مبررة ذلك بعدم توازن النص وعدم معالجته للأسباب الجذرية للأزمة.

وبالتوازي، تنشط الصين دبلوماسياً عبر اتصالات مكثفة مع أطراف النزاع والدول الإقليمية، مؤكدة عدم وجود أي تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة أو علم بالضربة، ونافية تقديم دعم عسكري أو توريد صواريخ لإيران. كما أوفدت المبعوث الخاص للحكومة الصينية لشؤون الشرق الأوسط، تشاي جون، للقيام بجولة مكوكية في المنطقة للعمل على خفض التصعيد وتعزيز جهود وقف إطلاق النار، إلى جانب تقديم مساعدات إنسانية للدول المتضررة مثل إيران والعراق والأردن ولبنان، مع التشديد على أن معالجة الملف النووي الإيراني لا يمكن أن تتم إلا عبر الحوار.

ويستند هذا الموقف إلى مجموعة من الحسابات الاستراتيجية المعقدة

  1. البعد الاقتصادي

تعد إيران شريكاً اقتصادياً مهماً للصين، خصوصاً في قطاع الطاقة. ففي عام 2021 وقعت بكين وطهران اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة 25 عاماً، وقدّرت بعض التقارير قيمة إطارها الاستثماري المحتمل بنحو 450 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، وهو رقم يشير إلى حجم الاستثمارات المحتملة ضمن الاتفاقية وليس إلى استثمارات منفذة فعلياً.

وفي هذا السياق، تشير بيانات سوق الطاقة إلى أن الصين تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ تستورد كميات كبيرة منه غالباً عبر ترتيبات تجارية غير مباشرة بسبب العقوبات، مع خصومات تصل الى نحو 20% عن السعر العالمي. وتشير بعض التقديرات إلى أن واردات الصين من النفط الإيراني قد تصل إلى أكثر من مليون برميل يومياً في بعض الفترات.

مع ذلك، يبقى حجم إيران في الاقتصاد الصيني محدوداً نسبياً، إذ لا تمثل سوى نسبة صغيرة من إجمالي التجارة الخارجية للصين (1%)، بينما تعد الصين الشريك التجاري الأكبر لطهران. وهذا الاختلال في ميزان الاعتماد الاقتصادي يمنح بكين هامشاً واسعاً للمناورة.

وبالتالي، يرجح أن سقوط النظام الإيراني، أو حتى تراجع تصديره للنفط نتيجة سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة خرج مثلاً سيسبب خسائر اقتصادية للصين، ليس فقط على مستوى الاستثمارات المباشرة، بل أيضاً على مستوى إمدادات الطاقة. ومع ذلك، تشير تحليلات لخبراء اقتصاديين أن بقاء النظام الإيراني في حالة ضعف نسبي قد يشكل في الوقت ذاته مصلحة اقتصادية لبكين، إذ يدفع طهران إلى زيادة اعتمادها الاقتصادي عليها، ما يوسع النفوذ الصيني دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.

  1. البعد الجيوسياسي

تشكل إيران عنصراً مهماً في البيئة الجيوسياسية التي تتحرك فيها الصين. فاستمرار انشغال الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط، إضافة إلى الدور الذي تلعبه إيران ومحورها في استنزاف واشنطن، يسهم في تشتيت التركيز الأميركي وتقليل الضغوط على الجبهة الصينية، خاصة في ملفات مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي. وقد استفادت الصين خلال العقدين الماضيين من انشغال الولايات المتحدة بحربي أفغانستان والعراق لتعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية بهدوء.

كما تمثل إيران جزءاً من المجال الجغرافي الممتد بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط، وهو فضاء تعتبره بكين مهماً لأمن مبادرة الحزام والطريق ولضمان استقرار الممرات البرية والبحرية التي تربط الاقتصاد الصيني بالأسواق الأوروبية.

لذلك فإن بقاء النظام الإيراني – حتى وإن كان ضعيفاً – يبقى أفضل لبكين من فراغ جيوسياسي قد تملؤه قوى موالية للغرب. ومع ذلك، فإن أهمية إيران في الحسابات الصينية تبقى أقل من قضايا أخرى تعتبرها بكين ذات طابع وجودي، مثل مسألة تايوان أو التوازن الاستراتيجي في غرب المحيط الهادئ.

  1. البعد العسكري

على الرغم من تنامي القدرات العسكرية الصينية، فإن بكين لا تزال تتجنب الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، تمتلك الصين حضوراً عسكرياً متزايداً في محيط المنطقة، أبرز مظاهره القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، والتي تعد أول قاعدة خارجية لجيش التحرير الشعبي الصيني، إضافة إلى النشاط المتزايد للبحرية الصينية في المحيط الهندي.

ويرتبط هذا الحضور أساساً بحماية خطوط التجارة البحرية وممرات الطاقة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، أكثر من ارتباطه بالاستعداد لخوض عمليات عسكرية واسعة في المنطقة.

وفي المقابل، تدرك الصين أن أي انخراط عسكري مباشر في الشرق الأوسط قد يمنح الولايات المتحدة مبرراً لإعادة تموضع استراتيجي واسع في آسيا، أو لتسريع عملية عسكرة البيئة المحيطة بالصين. ولذلك تحرص بكين على تجنب التورط العسكري في نزاعات بعيدة جغرافياً قد تستنزف قدراتها قبل لحظة الحسم في ملف تايوان.

  1. طبيعة السياسة الخارجية الصينية

تقوم السياسة الخارجية الصينية على مبدأ بناء شراكات اقتصادية وسياسية وتعاون أمني دون الدخول في تحالفات عسكرية رسمية تلزمها بالدفاع المشترك، خاصة مع الدول البعيدة جغرافياً. ويعد هذا المبدأ أحد الركائز الثابتة في الاستراتيجية الدبلوماسية لبكين.

  1. العلاقات مع الكيان

ترتبط الصين أيضاً بعلاقات اقتصادية وتكنولوجية متنامية مع الكيان المحتل، وقد تطورت هذه العلاقات بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين. وهذا العامل يجعل بكين حريصة على تجنب الظهور بموقف منحاز بشكل كامل في حرب يكون أحد أطرافها إسرائيل.

  1. العلاقات مع الولايات المتحدة

على الرغم من التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، فإن العلاقة الاقتصادية بينهما لا تزال ضخمة، إذ يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 660 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى استثمارات متبادلة تقدر بمئات المليارات. لذلك لا ترغب بكين في المخاطرة بهذه العلاقة عبر فتح جبهة صراع جديدة مع واشنطن، خاصة في ظل حساسية التوازنات السياسية والاقتصادية بين الطرفين عشية اللقاء المرتقب بين رئيسي الدولتين مطلع نيسان /ابريل القادم.

  1. العلاقات مع دول الخليج

تمثل دول الخليج العربي شريكاً اقتصادياً أكثر أهمية للصين من إيران في بعض الجوانب. وهو ما يفسر سعي بكين إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية، بحيث لا تتحول شراكتها مع إيران إلى عامل توتر مع الدول الخليجية التي تعد من أكبر موردي الطاقة للصين. فاستثمارات الصين مع دول الخليج تعادل نحو عشرين ضعف استثماراتها في إيران، كما تستورد بكين نحو 36.8% من احتياجاتها النفطية من دول الخليج مقابل نحو 13.5% من إيران. وبالتالي فإن الحفاظ على علاقات مستقرة مع هذه الدول يشكل أولوية اقتصادية لبكين.

رابعاً : أدوات التأثير المحتملة

من المرجح أن تلجأ الصين إلى مجموعة من الأدوات غير المباشرة لحماية مصالحها، من بينها:

  • محاولة لعب دور دبلوماسي أو رعاية وساطة لوقف الحرب بعد مرحلة من الاستنزاف.
  • استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع صدور قرارات تدين إيران أو تفرض عليها عقوبات إضافية.
  • ممارسة ضغوط دبلوماسية – خصوصاً على الدول الأوروبية – لعدم الانخراط في الحرب.
  • الدعم الاستخباري والتقني وتزويد إيران بمواد وتقنيات ذات استخدام مزدوج عسكري ومدني.
  • تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بما يضمن استمرار قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود.

خامساً: السيناريوهات المستقبلية

يبدو أن بكين تراهن على إطالة أمد الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بتداعياتها الاقتصادية وخاصة في مجال الطاقة، بما يؤدي إلى استنزاف الولايات المتحدة وحلفائها دون أن تنزلق الصين إلى مواجهة مباشرة.

ولكن في نفس الوقت قد يتضرر الاقتصاد الصيني نتيجة انقطاع واردات النفط من إيران والخليج بنفس الوقت في حال الاغلاق التام لمضيق هرمز، وهو ما قد يضعف موقفها. ومن جهة أخرى، قد يستمر الدعم الصيني لإيران في إطار غير مباشر (اقتصادي وتقني واستخباري) مع الحرص على البقاء خارج دائرة الانخراط العسكري.

ومع ذلك، تحافظ الصين على قدر كبير من المرونة الاستراتيجية، إذ تستعد أيضاً لسيناريوهات أكثر تعقيداً، بما في ذلك احتمال إضعاف النظام الإيراني بشكل كبير أو حتى تغييره. ففي مثل هذه الحالة ستسعى بكين، على الأرجح، إلى التكيف سريعاً مع الواقع الجديد للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والنفطية، كما فعلت في فنزويلا بعد اختطاف نيكولاس مادورو. حيث قبلت الصين بالتعامل مع القيادة الجديدة مع الاستمرار في حماية مصالحها النفطية انسجاماً مع أحد المبادئ الثابتة في سياستها الخارجية: حماية المصالح أولاً، والتكيف مع موازين القوى القائمة أفضل من خسارة كل شيء.

الخلاصة:

تكشف الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران حدود الشراكات التي تبنيها القوى الكبرى في النظام الدولي المعاصر. فبالرغم من عمق العلاقات السياسية والاقتصادية بين الصين وإيران، يظهر الموقف الصيني قدراً كبيراً من الحذر يقوم على دعم طهران سياسياً واقتصادياً دون الانخراط في الدفاع العسكري المباشر عنها. ويعكس هذا النهج طبيعة الاستراتيجية الصينية القائمة على تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، والحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية، خصوصاً دول الخليج. وفي ضوء هذه الحسابات، يبدو أن بكين ستواصل سياسة تهدف إلى منع انهيار إيران الكامل مع الإبقاء على الصراع ضمن حدود لا تهدد مصالحها الاقتصادية أو أولوياتها الاستراتيجية في آسيا.

رابط تحميل هذا التقرير PDF

المصدر: واحة السياسة

الوسوم
شارك:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة