تركيا والحرب على إيران: محددات الموقف وحدود التأثر والتأثير
اكتسبت الحرب على إيران سريعًا أبعادًا إقليمية، من حيث الأطراف المنخرطة بها والمتأثرة بها على حد سواء. ورغم أن تركيا لم تتعرض حتى اللحظة لتأثيرات مباشرة للحرب، إلا أنها من أكثر الدول مواكبة ومتابعة لها من حيث احتمالات التأثر والتأثير.
رفض الحرب
يتشكل الموقف التركي من الحرب الحالية وفق محددات رئيسة، أهمها:
- رفض الحلول العسكرية للخلافات والأزمات، والتشجيع على التفاوض والحلول الدبلوماسية. أرادت تركيا ترك بصمة على هذه الرؤية فأطلقت “منتدى أنطاليا للدبلوماسية” قبل سنوات.
- رفض تدخل القوى الكبرى في المشاكل الإقليمية، وضرورة تعاون القوى الإقليمية لحلها.
- الارتدادات السلبية للحرب على تركيا في مجالات الاقتصاد والتجارة والسياحة بالنظر لبنية الاقتصاد التركي المعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الخارجية والأموال الساخنة.
- التبعات المتوقعة للحرب مثل الفوضى وما يمكن أن تتسبب به من تحديات أمنية وموجات لجوء.
- النتائج الكارثية لاحتمال سقوط النظام، وتحديدًا فيما يتعلق بوحدة إيران وإمكانية انتعاش مشاريع انفصالية يمكن أن تنعكس سلبًا على الملف الكردي تركياً وإقليميًا.
ولذلك فقد بذلت أنقرة جهدًا لمحاولة تجنب الوصول للحظة الحرب، مثل التواصل مع طرفي الخلاف، واقتراح استضافة المفاوضات بينهما على أن تكون مباشرة وبحضور دول إقليمية مثل السعودية والإمارات ومصر (نموذج شبيه بالمسار المتعلق بغزة)، بيد أن طهران فضلت النموذج المعتمد سابقًا أي التفاوض غير المباشر بواسطة عمانية، ويعود الموقف الإيراني إلى التنافس الإقليمي بين الطرفين.
الموقف
أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانًا عبر عن “القلق” من “التطورات التي بدأت بالهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران، وتواصلت بهجوم إيران على دول ثالثة” وأثرها على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وكرر البيان استعداد تركيا للمساعدة ولعب دور الوساطة.
كما عبر الرئيس أردوغان عن “الأسف والحزن” بسبب الهجمات على إيران والتي قال إنها أتت “بتحريض من نتنياهو”، وعدّ هجمات إيران على دول الخليج “غير مقبولة”، داعيًا “جميع الأطراف” للتهدئة. كما نعى أردوغان “القائد الديني لإيران” علي خامنئي الذي قضى بسبب “الهجمات على إيران” دون النص على مصدرها.
ورفضت تركيا بوضوح الهجمات التي شنتها إيران على قواعد أميركية ومصالح خليجية، وقال وزير الخارجية هاكان فيدان في 3/3/2026 إن قصف إيران العشوائيلهذه الأماكن “استراتيجية خاطئة جداً”، معتبراً أنطهران تتبنى استراتيجية “إذا غرقت، فسأغرق المنطقةأيضاً”. وحذر فيدان من أن “الدول التي تتعرض لهجماتإيرانية قد لا تتمكن من التزام الصمت إذا استمرت هذهالضربات، وأن خطر اتساع رقعة الصراع أمر مثيرللقلق”.
في التقييم، رسميًا رفضت تركيا الحرب على إيران وهجمات إيران على الخليج، لكنها تجنبت صياغات الإدانة الصريحة والخطاب الحاد والاصطفاف مع أي من الأطراف. وكررت مناشدتها للتهدئة واستعدادها للعب دور الوسيط.
وأكد وزير الخارجية التركي أن أي حل وسط سيكونأفضل من إطالة أمد الحرب، ولكنه في نفس الوقت قال إنه يأمل أن تُظهر القيادة الإيرانية الجديدة إرادة لإنهاءالصراع.
وفي هذا السياق، وفي تصريحات أخرى لسياسيين ومسؤولين حاليين وسابقين في حزب العدالة والتنمية، لكن غير ناطقين باسمه، صدرت منشورات ومواقف أدانت بشكل واضح ومباشر العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران.
التأثر والتأثير
بعد يوم واحد من تصريحات وزير الخارجية التركية عن الهجمات الإيرانية في الخليج العربي، أسقطت الدفاعات الجوية لحلف الناتو صاروخاً باليستياً إيرانياً اخترق الأجواء التركية دون أن يتسبب في أية خسائر. وقد تباينت التقديرات في وجهته، وما إذا كان متجهاً نحو القواعد الأميركية في قبرص أو مستهدفاً لقاعدة إنجيرليكالجوية بولاية أضنة جنوبي تركيا والتي تحتوي على قوات أميركية.
وأبلغ فيدان نظيره الإيراني عباس عراقجي، في اتصالهاتفي، استياء أنقرة من الصاروخ الباليستي الذيأطلقته طهران، كما استدعت الخارجية التركية السفير الإيراني في أنقرة للتعبير عن احتجاجها وقلقها إزاءإطلاق إيران صاروخا باليستيا متجها نحو مجالهاالجوي.
ويزيد هذا التطور من مخاوف تركيا العضو في الناتو من الدخول في دائرة التأثر المباشر بالحرب، وهو ما قد يؤثر على حيادها النسبي فيها.
كما يزيد هذا الحادث من محاوف تركيا من التداعيات المحتملة للحرب، فتعرض دول الخليج لهجمات وإغلاق مضيق هرمز، يحمل تأثيرات سلبية على الاقتصاد التركي من حيث فاتورة الطاقة (وتركيا دولة مستوردة لمعظم حاجتها منها) وعجز الميزان التجاري والاستثمارات الخارجية وغير ذلك، كما أنها تحمل نذر موجات كبيرة من اللجوء تجاه الأراضي التركية بما يشمله ذلك من تحديات أمنية محتملة، فضلًا عن تأثيرها على الوضع السياسي الداخلي كما حصل مع الجزء السوري.
كما أن سقوط النظام إن حصل سيضاعف من أثر هذه العوامل على تركيا بشكل ملحوظ، فضلًا عن أنه قد يؤدي لإحياء المشاريع الانفصالية وتحديدًا من قبل الأكراد وهو ما تخشى أنقرة من أن يحدث اضطرابًا في مسار حل حزب العمال الكردستاني في تركيا وإدماج “قسد” في الجيش السوري، وهما المساران اللذان قطعا شوطًا كبيرًا حتى اللحظة.
إضافة لهذه التداعيات المباشرة وقصيرة المدى، لأنقرة هواجس حقيقية فيما يتعلق بنتائج الحرب من زاوية التوازنات الإقليمية، والتخوف من هيمنة “إسرائيل” على المنطقة، وبالتالي الإخلال بالتوازن القائم معها لصالح دولة الاحتلال. كما أن نجاح الولايات المتحدة و”إسرائيل”في إسقاط النظام وإحلال نظام مقبول من طرفهما مكانه – إن حصل – سيعني أن “إسرائيل” ستصبح على الحدود الشرقية لتركيا، وهو أمر يحمل ضغوطًا وتحديات كبيرة عليها.
ورغم أن التصريحات الرسمية لم تتطرق لهذا المعنى، إلا أن الدوائر السياسية والإعلامية في تركيا تركز على فكرة أن “تركيا هي التالية” في سلسلة الاستهداف “الإسرائيلي” لدول المنطقة. ويرجح أن صانع القرار في أنقرة لديه نفس التخوفات والقناعة، وخصوصًا بعد تصريح السفير الأمريكي في دولة الاحتلال عن حق “إسرائيل” في كامل أراضي المنطقة، والأهم حديث نتنياهو عن المحور الذي يريد تشكيله مع الهند واليونان (خصم تركيا التقليدي) ودول أخرى لمواجهة “المحور السني الآخذ بالتشكل” بعد “المحور الشيعي”، وأول الدول المقصودة بهذا المحور هي تركيا.
وعليه، ترى أنقرة في الحرب وتداعياتها المحتملة تهديدًا للأمن والاستقرار في المنطقة، وخطرًا عليها هي على وجه التحديد اقتصاديًا وأمنيًا واستراتيجيًا، لذلك فهي تسعى لمنع توسع الحرب تمهيدًا لتهدئة محتملة وربما وساطة مستقبلًا. لكن تركيا تدرك بالتأكيد أن مسار التفاوض غير ممكن حاليًا.
أخيرًا، هل يمكن أن تنخرط تركيا بالحرب أو تستدرج لها؟
وفق المعطيات الحالية، فإن هذا الأمر مستبعد وتركيا غير معنية بذلك بأي شكل. وقد كان لافتًا أن وحدة مكافحة التضليل في الرئاسة التركية أصدرت تكذيبًا لتقارير تحدثت عن استخدام قاعدة إنجرليك في الحرب، مؤكدة أن تركيا لا تسمح باستخدام أجوائها من أي طرف في حرب هي لا تشارك بها.
بيد أن تطورات الأحداث في إيران وخصوصًا ما يتعلق بالحدود ومسألة اللاجئين قد تدفعها قريبًا لإجراءات وقائية من قبيل تثبيت أمن الحدود ومنع موجات اللجوء وحتى فكرة إنشاء منطقة عازلة داخل الحدود الإيرانية. كانت تقارير غربية ذكرت أن تركيا تخطط لدخول الأراضي الإيرانية في حال حصلت فوضى كبيرة أو سقط النظام، وهو ما نفته دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.
لكن يبقى أن الحرب ما زالت فيما يبدو في مراحلها الأولى ومن الصعب الجزم بمسارها ونتائجها على المدى البعيد، وهو ما يمكن أن يغير موقف تركيا من مسألة الانخراط بشكل ما فيها، رغم عدم رغبتها بذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم
تقدير موقف
الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران…الأهداف والمآلات المحتملة
مقدمة
تشهد المنطقة تحوّلًا استراتيجيًا كبيرًا منذ انطلاق الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، والتي بدأت بضربة افتتاحية غير مسبوقة تمثّلت في اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين، في غارة جوية إسرائيلية نُفذت بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
وقد شكّل هذا الاغتيال نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع الإقليمي، إذ نقل المواجهة من مرحلة الردع المتبادل والحروب غير المباشرة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مع تداعيات مباشرة على أمن الخليج وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وتزامن ذلك مع حالة استنفار عسكري غير مسبوقة في المنطقة، تمثلت في الحشود الأميركية الكبيرة، وتوسّع العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة قد تشمل أطرافًا إضافية.
أولًا: المعطيات الرئيسية للمواجهة
جاءت الضربة العسكرية رغم أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة كانت قد شهدت تقدمًا ملحوظًا في جولات عقدت في سلطنة عمان. وبحسب مصادر دبلوماسية، كانت إيران قد أبدت استعدادًا لقبول سقف تخصيب لا يتجاوز 5%، إضافة إلى بحث تطوير برنامجها الصاروخي في جولات لاحقة.
غير أن الضربة العسكرية تشير إلى أن المسار التفاوضي استُخدم على الأرجح كغطاء لكسب الوقت وترتيب الضربة الاستراتيجية ضد القيادة الإيرانية.
وقد مثّل اغتيال المرشد والقيادة العسكرية ضربة استراتيجية للنظام الإيراني، إذ استهدفت مركز القرار السياسي والعسكري في البلاد، وأحدثت صدمة داخل مؤسسات الدولة الإيرانية.
ولم يتأخّر الرد الإيراني، إذ بدأ الحرس الثوري بإطلاق صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة باتجاه العمق الإسرائيلي، بالتوازي مع استهداف القواعد والمصالح الأميركية في الخليج العربي.
وكان لافتاً أن الضربات الإيرانية بدأت قبل الإعلان الرسمي عن مقتل خامنئي، ما يرجّح أن القوات الإيرانية فعّلت بروتوكولًا عسكريًا للطوارئ يقضي بتنفيذ خطة رد واسعة في حال انقطاع الاتصال بالقيادة العليا.
وشملت الضربات الإيرانية أهدافًا عسكرية واقتصادية في الخليج، ما أثار إدانات خليجية ودولية، على اعتبار أن الضربات استهدفت أراضي دول ذات سيادة.
كما شهدت المنطقة تعبئة عسكرية غير مسبوقة، إذ دفعت الولايات المتحدة بحاملات طائرات ومدمرات وقوات إضافية إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط، في حين بقيت بعض هذه القوات في وضعية دفاعية خارج مناطق الاشتباك المباشر.
وفي الوقت ذاته، بدأت القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة بتنفيذ ضربات جوية وصاروخية مباشرة على أهداف داخل إيران، شملت منصات الصواريخ ومراكز القيادة والسيطرة.
وفي تطور لاحق، أرسلت عدة دول أوروبية قطعًا بحرية إلى شرق المتوسط، فيما دفعت فرنسا بحاملة طائرات إلى الخليج بحجة حماية مصالحها، وسمحت للقوات الأميركية باستخدام قواعدها في المنطقة.
وحاء ذلك بعد استهداف قاعدة أكروتيري البريطانية في جزيرة قبرص الرومية بصاروخين بالستيين لم يعرف إن كان مصدرهما إيران أو حزب الله في لبنان.
أدّت الحرب إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، إذ وصل سعر النفط إلى 120 دولاراً للبرميل، فيما تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي بعد إعلان قطر (القوة القاهرة) لوقف تصدير الغاز الذي يشكل نحو 20% من الغاز المصدر في العالم.
ووسط تحذيرات من أزمة اقتصادية عالمية، عمدت إسرائيل إلى ضرب محطات وقود في مدن إيرانية مختلفة، ما استدعى تهديداً من إيران بالرد بالمثل، وأدى هذا الأمر إلى نشوب خلاف مع واشنطن التي تريد بدورها احتواء ارتفاع أسعار النفط وانعكاسه على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وبالتالي فليس من مصلحتها أن يتم استهداف المنصات النفطية في دول الخليج.
وفيما تسببت الحرب في توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، إلا أن المتضرر الأساسي من توقف الغاز القطري كان أوروبا التي تسعى لاحتواء الأزمة من خلال التحرك الدبلوماسي للجم ارتفاع أسعار الغاز.
ثانيًا: السياق السياسي والاستراتيجي للحرب
1- أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل
كان من الواضح منذ البداية أن أهداف حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من الحرب والتي تتركز بإسقاط النظام الإيراني وتغييره من أساسه، لا تتطابق مع أهداف الولايات المتحدة، حيث ركز الرئيس الأميركي مؤخراً على تغيير القيادة الإيرانية حتى وإن بقيت دينية، وإبدائه استعداداً للتعايش مع قيادة جديدة تستجيب لشروطه، وذلك رغم تصريح سابق له قال فيه إنه غير مهتم بالتفاوض مع إيران، مشيرًا إلى أن الحرب قد تستمر حتى “لا يبقى لإيران جيش فعّال أو قيادة حاكمة”.
كما أن إسرائيل نجحت في تحميل مطلب وقف الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى، إضافة لوقف البرنامج النووي ضمن مطالب ترامب.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الرئيس الأميركي الحساس من مسألة ارتفاع أسعار النفط وتأثيرها على المواطن الأميركي، قد يلجأ إلى وقف الحرب إذا تمكن من تحقيق إنجاز كبير على الأرض، يتمكن من خلاله التوصل إلى تفاهم مع القيادة الإيرانية، وهذا ما لا يحقق طموحات إسرائيل بتغيير جذري للنظام الإيراني. صحيح أن ترامب استجاب لمطالب الإنجيليين المتطرفين في حزبه، ووافق على المطالب الإسرائيلية بشن الحرب على إيران، ولكنه لم يتمكن من إقناع الشارع الأميركي بما في ذلك تيار ماجا (MAGA) الذي يتزعمه بأهداف الحرب وبأنها تخدم المصلحة الأميركية وليس الإسرائيلية.
وفي تعبير عن مصيرية المعركة ضد إيران، والتي تحوز على دعم غالبية الإسرائيليين، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الكيان يخوض معركة مصيرية لتعيير وجه الشرق الأوسط، وأن النجاح في مواجهة إيران سيفتح الباب لتوسيع دائرة السلام في الشرق الأوسط، وهو ما يتفق مع نظرية الاحتلال بالسلام من خلال القوة والإخضاع. كما حملت المواجهة أيضًا أبعادًا أيديولوجية ودينية، خاصة في ضوء تبني الجيش الإسرائيلي لنظرية “حرب النهضة” ضمن عقيدته العسكرية، وإطلاقه اسم زئير الأسد على عدوانه الأخير، وهو الاسم الذي يتضمن بعدًا دينيًا واضحًا في تفسير الصراع.
2- المشهد الداخلي الإيراني
أدى اغتيال خامنئي إلى فتح ملف خلافة مرشد الجمهورية الإيرانية في لحظة حرب، ما خلق حالة من التنافس داخل مؤسسات الحكم، ولكن هذا الأمر ما لبث أن حسم باختيار مجتبى خامنئي ابن المرشد السابق، ما عكس هيمنة الحرس الثوري على مفاصل القرار في الدولة، وفوت على الأميركيين تطلعاتهم بإحداث اختراق أو تغيير أو حتى انقسامات في القيادة.
وعلى الرغم من التباينات التي ظهرت داخل القيادة الإيرانية، بعد الهجمات الصاروخية على مطار دبي ومصالح خليجية أخرى،والتي فجرتها تصريحات للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التي اعتذر فيها لدول المنطقة، وأكد فيها عدم رغبة بلاده في التصعيد ضدها، فإن استمرار هذه الهجمات بعد تسلم مجتبى لمنصبه يشير إلى رغبة إيرانية باستمرار استهداف المصالح المدنية في الخليج العربي إلى جانب استهداف المصالح والقواعد الأميركية.
3- المواقف الإقليمية والدولية
الموقف الخليجي
تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة معقدة، إذ أصبحت القواعد الأميركية إضافة إلى المصالح المدنية على
أراضيها أهدافًا مباشرة للضربات الإيرانية.
وقد يؤدي استمرار الهجمات الإيرانية على أراضي الخليج، أو استهداف السعودية بشكل مباشر، إلى دفع الرياض للرد، وربما قيادة موقف خليجي موحد يبدأ بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران قد يتلوه اندماج في الجهد العسكري الأميركي لضرب إيران وهو ما قد يوسّع نطاق الحرب .ولكن حتى الآن لا توجد مؤشرات على هذا الموقف.
من ناحية ثانية، تتعزز احتمالات أن تتولى جماعة الحوثي فتح جبهة البحر الأحمر وقناة السويس في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين السعودية وإيران.
الموقف التركي
تشير تقديرات استخباراتية عربية إلى أن تركيا لا تؤيد إسقاط النظام الإيراني، إذ ترى أن انهيار الحكم في طهران قد يؤدي إلى تعزيز الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.
ومن هذا المنطلق تعمل أنقرة على الدفع نحو التهدئة وإعادة الأطراف إلى المسار الدبلوماسي، رغم إدراكها لصعوبة تحقيق ذلك في ظل التصعيد الحالي.
ولكن أنقرة تواجه تحدياً جديداً بعد أن أسقطت دفاعات حلف الأطلسي صاروخين إيرانيين عبرا الأجواء التركية في حادثتين متفرقتين، وهو ما دفع الرئيس التركي أردوغان لتحذير إيران من الاستمرار في تهديد الأمن الإقليمي والمدنيين
الموقفين الروسي والصيني
أبدت كل من روسيا والصين قلقًا من تداعيات اغتيال القيادة الإيرانية، واعتبرتا أن العملية تمثل خرقًا للقانون الدولي. ومع ذلك، يبدو أن البلدين يتجنبان الانخراط المباشر في الصراع، مع احتمال تقديمهما لدعم استخباراتي أو لوجستي محدود لإيران.
4- مسار العمليات العسكرية
الاستراتيجية الأميركية
تركز العمليات العسكرية الأميركية حاليًا على:
- تدمير منصات الصواريخ البالستية.
- ضرب مراكز القيادة والسيطرة.
- استهداف المنشآت العسكرية والأمنية.
وفي مراحل لاحقة قد تسعى واشنطن إلى: - دعم حركات معارضة أو المجموعات الكردية داخل إيران.
- قصف وتعطيل المعابر الحدودية والموانئ.
- الضغط الاقتصادي عبر استهداف البنية التحتية للطاقة.
الخيارات العسكرية المحتملة
تشمل السيناريوهات العسكرية المطروحة إنزالات جوية محدودة لتدمير مستودعات الصواريخ، بالإضافة إلى محاولات السيطرة على البرنامج النووي من خلال الاستيلاء على اليورانيوم المخصب، إضافة إلى عمليات قوات خاصة داخل طهران ضد أهداف سيادية، ومحاولة السيطرة على مضيق هرمز لضمان استمرار حركة الملاحة.
وكل هذه الخيارات تستدعي إنزال قوات كبيرة قد تكلف الولايات المتحدة خسائر فادحة قد لا يكون الرئيس الأميركي مستعداً لتحمل كلفتها على شعبيته.
توسع الحرب إقليميًا
تسير المواجهة بوتيرة متصاعدة، مع احتمال توسعها إلى جبهات أخرى، أبرزها: - لبنان حيث بدأت إسرائيل عمليات عسكرية ضد حزب الله.
- العراق واليمن عبر فصائل حليفة لإيران.
- الخليج العربي في حال تصاعد الهجمات المتبادلة.
كما استدعت إسرائيل نحو 100 ألف جندي احتياط منذ الأيام الأولى للحرب، ما يشير إلى استعدادها لمواجهة طويلة.
ثالثاً: سيناريوهات تطور الحرب
الإطار العام للصراع
تتحرك الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضمن أهداف استراتيجية للطرفين.
الأهداف الأميركية – الإسرائيلية:
- إسقاط النظام الإيراني أو تغييره.
- تدمير القدرات العسكرية والاستراتيجية لإيران، خصوصًا الصاروخية والنووية.
- إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما ينسجم مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.
الأهداف الإيرانية: - الحفاظ على النظام السياسي ومنع انهياره.
- الدفاع عن السيادة الإيرانية ومصالحها الحيوية.
- الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع تفكك الدولة.
انطلاقًا من هذه الأهداف المتناقضة، يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية لمآلات الحرب.
السيناريو الأول: حرب استنزاف طويلة دون حسم
يقوم هذا السيناريو على استمرار العمليات العسكرية المتبادلة لفترة طويلة مع عدم تمكن أي من الطرفين من تحقيق حسمعسكري، ودون توسع في العمليات البرية التي يمكن أن تشنها الولايات المتحدة وأميركا. وفي هذا السياق، تستمر الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، في ظل تمكن النظام الإيراني من الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة، بينما يواصل ضرب القواعد الأميركية والمصالح الحيوية في المنطقة، إضافة إلى استهداف العمق الإسرائيلي.
ويتضمن هذا السيناريو بقاء المواجهة ضمن نطاق جغرافي محدود دون انخراط دول جديدة بشكل مباشر، مع ارتفاع مسيطر عليه في أسعار الطاقة عالميًا ودون انهيار اقتصادي حاد.
ومع مرور الوقت، قد تتحول الحرب إلى صراع استنزاف متعدد الجبهات يشمل الخليج ولبنان وربما البحر الأحمر، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الحرب على جميع الأطراف.
وقد يدفع هذا الوضع في نهاية المطاف إلى اتفاق مؤقت أو هدنة غير مستقرة، دون حل جذري للصراع.
هذا السيناريو يتفق مع تضافر عاملين اثنين هما: بقاء النظام الإيراني قادراً على الصمود والمواجهة، مع استمرار عدم وجود رؤية أميركية- إسرائيلية لإنهاء الحرب، في ظل ارتفاع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل عسكرياً وأمنياً واقتصادياً.
غير أن هذا الاتفاق لن ينهي الصراع، ولكنه قد يقود لجولة أخرى.
السيناريو الثاني: إخضاع النظام الإيراني
يقوم هذا السيناريو على نجاح الضغوط العسكرية والاقتصادية في دفع القيادة الإيرانية إلى القبول بشروط أميركية – إسرائيلية جديدة.
وتتضمن هذه الشروط في الغالب:
- وقف تخصيب اليورانيوم أو وضعه تحت رقابة صارمة.
- تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية.
- تعديل السياسات الإقليمية الإيرانية.
وقد يتم ذلك عبر تفاوض يجري تحت ضغط الحرب، بحيث يبقى النظام الإيراني قائمًا لكنه يصبح أقل قدرة على تحدي الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن المؤشرات التي ستدل على إمكانية تحقق هذا السيناريو: - ظهور تصريحات إيرانية تشير إلى استعداد للتفاوض تحت شروط جديدة.
- بروز تيار داخل القيادة الإيرانية يدعو إلى تسوية سياسية.
- توقف أو تقليص الهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية.
- فتح قنوات تفاوض غير معلنة بوساطة دول مثل عمان أو تركيا.
ويمثل هذا السيناريو صيغة انتصار سياسي جزئي للولايات المتحدة وإسرائيل دون إسقاط النظام ويحقق للرئيس الأميركي فرصة الإعلان عن وقف الحرب، ويقوم على فرضية تراجع القدرات العسكرية الإيرانية مع فشل محاولات إسناده من حزب الله والحوثيين.
السيناريو الثالث: انهيار النظام الإيراني
يُعد هذا السيناريو الأكثر تطرفًا، والأقل توقعاً في ضوء التطورات الحالية، علماً أنه السيناريو الذي تسعى له إسرائيل، ويتمثل في انهيار النظام الإيراني نتيجة تفاعل عدة عوامل:
- الضربات العسكرية المكثفة التي تستهدف البنية الاستراتيجية للدولة.
- ضغوط اقتصادية شديدة تؤدي لانهيار اقتصادي حاد يؤدي إلى اضطرابات واسعة
- تفكك الجبهة الداخلية وظهور انشقاقات داخل الحرس الثوري أو المؤسسة العسكرية، واندلاع اضطرابات واسعة.
وقد يؤدي هذا السيناريو إلى: - سقوط النظام السياسي.
- دخول البلاد في مرحلة اضطراب أو فوضى.
- احتمال ظهور نظام سياسي جديد أكثر قربًا من الغرب.
- فقدان الحكومة السيطرة على مناطق داخل البلاد.
وقد يفتح هذا السيناريو أيضًا الباب أمام تفكك الدولة أو صراعات داخلية، خصوصًا في ظل التنوع العرقي والمناطقي داخل إيران.
السيناريو الرابع: توسع الحرب إقليميًا، وربما دولياً
يقوم هذا السيناريو على انتقال الحرب من مواجهة ثنائية إلى صراع إقليمي نتيجة دخول أطراف جديدة.
ومن أبرز العوامل التي قد تدفع نحو هذا السيناريو:
- دخول السعودية أو دول خليجية أخرى في المواجهة بشكل مباشر.
- توسع الحرب مع حزب الله في لبنان.
- انخراط الحوثيين في استهداف الملاحة الدولية أو المنشآت النفطية.
- تصعيد يؤدي إلى تدخل قوى دولية أخرى (الأوربيين من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى)
معايير ترجيح السيناريوهات
في ظل محدودية المعلومات المعلنة من طرفي الصراع، يصبح من الضروري اعتماد مجموعة من المؤشرات التحليلية لترجيح السيناريوهات.
أبرز هذه المؤشرات هي:
1- قدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه الداخلي، والحيلولة دون اغتيال المزيد من رؤوسه.
2- القدرة الإيرانية على توسيع ضرب المصالح الأميركية والإسرائيلية.
3- مستوى الخسائر العسكرية والاقتصادية لأميركا وإسرائيل.
4- مدى توسع الحرب جغرافيًا
5- الموقف الدولي (استمرار امتناع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا عن التدخل المباشر يقلل احتمالات توسع الحرب عالميًا، لكنه قد يطيل أمدها).
ترجيح السيناريوهات
في ضوء المعطيات الحالية، لا يمكن الجزم بترجيح أي خيار على آخر، ولكن يمكن ترتيب السيناريوهات وفق درجة احتمال تحققها على النحو التالي:
السيناريو الأول: حرب استنزاف طويلة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن الحرب قد تتجه نحو مرحلة استنزاف طويلة، وذلك لعدة أسباب:
- عدم قدرة أي من الطرفين على تحقيق حسم سريع.
- امتلاك إيران أدوات ضغط عسكرية عبر الصواريخ والجبهات الإقليمية
- الحذر الأميركي من الانخراط في حرب برية واسعة.
- كما أن التقديرات الإسرائيلية نفسها تشير إلى أن إسقاط النظام الإيراني لن يكون سريعًا، بل يتطلب مسارًا طويلًا من العمليات العسكرية والضغوط السياسية.
السيناريو الثاني من حيث الاحتمال: إخضاع النظام الإيراني
قد يتزايد احتمال هذا السيناريو إذا نجحت الضغوط العسكرية والاقتصادية في دفع القيادة الإيرانية إلى التفاوض تحت الضغط.
غير أن هذا السيناريو يتطلب توفر شرطين أساسيين: - نجاح الضربات في إلحاق أضرار فادحة في البنية العسكرية الإيرانية.
- ظهور تيار داخل النظام يفضل التسوية على المواجهة الطويلة، وذلك بعد سلسلة من الاغتيالات للقيادات السياسية.
السيناريو الثالث: انهيار النظام الإيراني
رغم أنه يمثل الهدف المعلن لإسرائيل على الأقل، فإن تحقيقه يظل صعبًا في المدى القريب بسبب: - قوة مؤسسات الدولة الإيرانية.
- تجربة النظام الطويلة في إدارة الأزمات.
- احتمال أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه.
- ضعف المعارضة، وعدم وجود رموز مقنعة لها.
- ضعف الأكراد داخليا، وعدم قدرة امتداداتهم الإقليمية على القيام بتحرك فاعل بسبب قوة تركيا.
السيناريو الأقل احتمالًا حاليًا: توسع الحرب إلى صراع إقليمي شامل
رغم أن هذا السيناريو يظل قائمًا، فإن معظم القوى الإقليمية والدولية تسعى حتى الآن إلى تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة بسبب كلفتها الاقتصادية والسياسية الكبيرة.
ومع ذلك، فإن احتمال تحققه قد يرتفع في حال وقوع خطأ استراتيجي كبير أو دخول فاعل جديد في الصراع.
المصدر: واحة السياسة
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






