حزب الله بين معادلة الردع الإيراني واستحقاق السيادة الداخلية
بسم الله الرحمن الرحيم
تقرير سياسي:
حزب الله بين معادلة الردع الإيراني واستحقاق السيادة الداخلية
أولاً : السياق العام :
يشهد الإقليم منذ 28 شباط/فبراير 2026 تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع بعد انطلاق العدوان الأميركي–الإسرائيلي ضد إيران، قُدّم في الخطاب الأميركي باعتباره خطوة لإزالة التهديد النووي، فيما صوّره الخطاب “الإسرائيلي” كحرب وقائية ضد خطر وجودي.
وفي مقابل نجاح العدوان في القضاء على القيادة الإيرانية وعلى رأسها المرشد علي خامنئي، اعتبرت القيادة الإيرانية الجديدة أنها تواجه حرباً وجودية، ولذلك لم تقتصر في ردودها على إسرائيل وأميركا، بل استهدفت مصالح أميركية وإسرائيلية وإقليمية، في محاولة لإعادة تثبيت معادلة الردع ومنع فرض وقائع استراتيجية جديدة عليها بالقوة.
في هذا السياق، برز موقع حزب الله بوصفه أحد أهم عناصر الهندسة الردعية الإيرانية. فالحزب لا يُنظر إليه في العقيدة الأمنية الإيرانية كفاعل محلي لبناني فحسب، بل كمنصة ضغط متقدمة على إسرائيل، تشكل امتدادًا جغرافيًا واستراتيجيًا وايديولوجيًا للعمق الإيراني.
ثانياً : موقف حزب الله
إن دخول الحزب بدرجات متفاوتة في مسار الإسناد عبر إطلاق صواريخ ومسيّرات من الجنوب اللبناني تأتي في سياق الرسائل الاستراتيجية في بُعدها الداخلي والاقليمي والدولي. ولكن هذا الانخراط بدأ مضبوطًا بسقف تصعيدي مدروس – ثلاثة صواريخ فقط – ، وعليه فإن ذلك يعكس إدراكًا عميقًا لحجم الكلفة المحتملة لأي حرب شاملة على لبنان وبيئة الحزب تحديدًا.
ولا شك أن إطلاق الصواريخ بهذا الشكل الرمزي والمحدود، كانت له دوافع تتعلق بالعلاقة الوثيقة مع إيران، ورغبة في الانتقام لمقتل السيد خامنئي بمكانته المعروفة عند الشيعة والحزب، ولكنه في نفس الوقت يعكس الحسابات المعقدة التي يواجهها الحزب مع الدولة اللبنانية، بل حتى مع جمهوره، وفي ظل تقديرات أن إسرائيل تريد استغلال أي تحرك لشن عدوان شامل على جنوب لبنان، بما يعنيه ذلك من أكلاف عالية في وقت يسعى فيه الحزب لإعادة بناء نفسه بعد الضربات الشديدة التي تعرض لها.
ثالثاً : البعد الداخلي اللبناني:
في الداخل اللبناني، جاء قرار رئيس الحكومة نواف سلام بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله ليضيف بعدًا بالغ الحساسية إلى المشهد. فالقرار، بصرف النظر عن قابليته الفورية للتنفيذ، أعاد طرح مسألة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم في يد الدولة، ووضع الحزب أمام معادلة غير مسبوقة؛ إما الانخراط ضمن سقف الدولة أو مواجهة شرعية رسمية تسحب عنه الغطاء السياسي؛ مما يفتح سجالًا سياديًا عميقًا حول طبيعة النظام اللبناني وتوازناته، ويخلق احتكاكًا مباشرًا بين منطق الدولة ومنطق المقاومة في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال.
وقد بدأت الأجهزة اللبنانية في تنفيذ القرار حيث استحدث الجيش اللبناني حواجز للتفتيش عن الأسلحة لجميع السيارات المتوجهة للجنوب اللبناني وقام باعتقال مقاومين متوجهين لأداء مهامهم فيما أعاد تموضعه على الحدود بعد توغل جيش العدو البري .
فيما انقسمت البيئة الشيعية بين مؤيد لانخراط الحزب ومعارض، وقد عارض نواب الحزب قرار الحكومة ولم ينسحبوا من الجلسة فيما صوت وزراء حركة أمل مع القرار، في خطوة تعكس استياء الحركة من موقف الحزب الأحادي بالدخول للمعركة بدون تنسيق ومشاورة خاصة انهم اتفقوا في الزيارة الأخيرة لكتلة الوفاء للمقاومة الى رئيس البرلمان لنبيه بري على التنسيق المستمر بين الثنائي.
وفي المقابل لاقى قرار الحكومة تأييد من معظم القوى اللبنانية حيث عبر عنها بواقف لبرلمانيين وبيانات حزبية لقوى سنية ومسيحية وشيعية معارضة.
وقد لاقى القرار ردود فعل عربية ودولية مؤيدة، وعلى المستوى الفلسطيني أجرى الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتصال بالرئيس اللبناني اكد فيه وقوف دولة فلسطين إلى جانب لبنان وشعبه الشقيق، وسيادته على أراضيه كافة، ورفض ما يتعرض له من اعتداءات. كما أكد دعمه لأية خطوات يتخذها لبنان لتحقيق مصالحه وحماية أمنه.
رابعاً : رد فعل العدو
أما عن ردود الفعل من جهة العدو ؛ فإن الضربات الإسرائيلية التي تلت ذلك، بما في ذلك الإعلان عن توغل بري جديد لجيش الاحتلال، كشفت بدورها عن تحول في قواعد الاشتباك. فقد اتسع نطاق الاستهداف ليشمل الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، وتجاوزت أوامر الإخلاء مسافات الإنذارات السابقة، ما يعكس استعدادًا لتكثيف الضغط الميداني والنفسي. الأخطر أن بنك الأهداف لم يعد عسكريًا بحتًا، بل شمل بنى مالية ولوجستية مرتبطة بالحزب، في إطار استراتيجية تجفيف الموارد ومحاولة ضرب مراكز الثقل غير العسكرية. وعليه فإن هذا التطور يعكس انتقال إسرائيل من إدارة احتكاك حدودي محدود إلى تصور أوسع يسعى لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية شمالًا.
فالموقف الإسرائيلي لا يفصل بين إيران وحزب الله، بل يتعامل معهما كوحدة واحدة. ولذلك فإن أي انخراط للحزب يُقرأ إسرائيليًا كجزء من الحرب الأوسع، ما يبرر توسيع بنك الأهداف ورفع مستوى الضغط العسكري؛ هذا المنطق يحمل في طياته مخاطر انزلاق سريع، إذ إن التقدير الإسرائيلي قد يعتبر أن الضربات الجوية وحدها غير كافية لتحقيق الردع.
وقد بدأت إسرائيل عملية برية في جنوب لبنان، لا يعلم إلى أي مدى ستتوسع في ظل تصريحات وزير الدفاع الإسـ.ـرائيلي التي قال فيها “صادقنا على تمكين الجيش من التقدم والسيطرة على مناطق استراتيجية إضافية داخل لبنان”. وقد نشهد في ظل هذا العدوان عمليات نوعية إسرائيلية تستهدف القيادات والبنى الحساسة.
خامساً : حسابات ايران :
إيران بدورها تبدو حريصة على استخدام حزب الله ضمن معادلة تصعيد منضبط لا يفضي إلى حرب وجودية في لبنان. فخسارة الحزب أو استنزافه بشدة تعني عمليًا فقدان أهم ذراع ردعي متقدم في المشرق، وهو ما لا يتناسب مع منطق الردع المتدرج الذي اعتمدته طهران لعقود.
لذلك، يتوقع أن تسعى طهران إلى إبقاء الجبهة اللبنانية ساخنة بالقدر الكافي لفرض كلفة على إسرائيل، دون دفعها إلى اجتياح واسع أو حرب تدميرية شاملة، إلا إذا وقعت صدمة كبرى كاغتيال قيادة عليا أو ضربة نوعية تغير ميزان الحسابات النفسية والسياسية.
سادساً : السيناريوهات المتوقعة :
أما على مستوى المآلات اللبنانية، فإن المشهد باحتواء مضغوط يقوم على استمرار ضربات متقطعة وضبط نسبي للنيران تحت ضغط الكلفة الإنسانية والاقتصادية، مع وساطات دولية تسعى لتثبيت ترتيبات ميدانية جنوب الليطاني دون حسم جذري لمسألة السلاح، مع استبعاد توسع الضربات لما ينطوي عليه ذلك من ارتفاع الخسائر، وهو ما لا يطيقه الحزب بسبب تداعياته السلبية الداخلية المحتملة عليه.
ولكن مع بدء جيش الاحتلال عملية برية في لبنان، فإن مآلات الحرب ستجبر الحزب على الدخول في معركة قد لا يكون مستعداً لها، وسيستغلها العدو لتوجيه ضربات جديدة له، في ظل تحدي جديد متشكل بعد قرار الحكومة حظره، فيما يظل السيناريو الأكثر تعقيدًا والأكثر خطورة هو تحوّل الأزمة إلى صدام داخلي حول شرعية السلاح وآليات إنفاذ قرار الحكومة، الأمر الذي قد ينتج ازدواجية أمنية أو اضطرابات موضعية إذا غاب التوافق الوطني الواسع.
سابعاً : الخلاصة:
في المحصلة، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية الإقليمية مع أزمة السيادة الداخلية؛ فحزب الله لا يزال عنصرًا مركزيًا في منظومة الردع الإيرانية، لكنه يتحرك اليوم ضمن هامش أضيق من السابق، محكومًا بكلفة الحرب وتبدل المزاج الداخلي واشتداد الضغط الدولي. أما داخليا؛ يعوّل على قدرة الدولة اللبنانية على تحويل قرارها إلى مسار مؤسسي مستدام ستحدد ما إذا كان لبنان سيبقى ساحة اشتباك إقليمي مفتوحة، أم ستنجح في إعادة ترسيم حدوده السيادية في قلب عاصفة إقليمية غير مسبوقة.
—– انتهى —–
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: واحة السياسة
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






