يفرُّ المرء من أخيه
غزة… نزوح تحت النار وتلاحم في مواجهة الخذلان
شهور معدودة مرت على إحياء الفلسطينيين ذكرى النكبة التي هجر فيها أجدادهم قسراً من أرضهم ووطنهم عام 1948م، حتى أصبحت واقعاً ملموساً يعيشونه بأنفسهم في أكتوبر/تشرين الأول 2023م، ما إن بدأ القصف يستهدف المنازل فوق رؤوس ساكنيها، حتى خرج المواطنون هائمين على وجوههم، يفرّ المرء بنفسه وعائلته، ولا يكاد يحمل شيئاً من أمتعته.
ومنذ الأيام الأولى لحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، فر ما يزيد عن مليون شخص إلى جنوب قطاع غزة، هرباً من الموت الذي كان يتربص بهم في كل مكان، فروا من مدينة غزة وشمالها جماعات ووحدانا عبر شارعي الرشيد وصلاح الدين، نساء يحملن حقائبهن على ظهورهن، وأطفالهن على أيديهن، ورجال يجرون أمتعتهم على عربات يدوية، وشيوخ يسيرون دون أي وجهة، كأنه يوم البعث، الكل يسير ولا يعرف وجهته، في حالة من الإحباط واليأس من العثور على منازلهم عند العودة إليها، والقهر الكبير على تركها، ليبدؤوا “رحلة الجحيم” في الطرقات الوعرة، والخيام المهترئة، والحياة البدائية.
لا يلبث الغزيون عشية أو ضحاها في المكان الذي يلجؤون إليه، حتى يضطرون للفرار مرات ومرات، تحت وابل الرصاص وقذائف الدبابات، يخرجون بأجسادهم وأهم مقتنياتهم، تاركين خلفهم أرواحهم التي باتت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة، فالنزوح بالنسبة لهم “قطعة من جهنم”، لا بل “قطعة من العذاب الأبدي”، تحمل بيتك في حقيبة وتتنقل من مكان لآخر لتنجو بروحك وعائلتك، من موت محقق، إلى موت مؤجل.
وفي الوقت الذي كانت فيه تلك المشاهد تُبث على شاشات العالم لحظة بلحظة، بقيت أصوات الاستغاثة تتردد دون استجابة حقيقية، فبينما كان النازحون يكافحون للبقاء على قيد الحياة، شعر كثيرون بأن العالم يدير ظهره لمعاناتهم، وأن الشعارات الإنسانية التي ترفعها بعض الدول والمؤسسات الدولية تتراجع عندما تصبح الحاجة إليها أكثر إلحاحاً.
وعلى الرغم من خذلان “ذوي القربى” إلا أن تلاحم أهل الأرض الواحدة لم يغب أو ينقطع، فقد فتح أنصار غزة بيوتهم لإخوانهم المهجرين قسراً من منازلهم، وتقاسموا معهم الماء والغذاء، والفراش والكساء، وحتى الاحتضان لمن فقدوا الآباء، لتبرز صورة لا مثيل لها من الإيثار والتكافل والتلاحم الاجتماعي.
لتبقى رحلة النزوح شاهدة على شعب يحب الحياة، يحب أرضه ووطنه، حتى وإن هجر من بيته وخذل ممن حوله، فلن يملك الاحتلال أن يُهّجر ذاكرته أو انتماءه ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






