نساء غزة بين فشل النسوية وانتصار الإنسانية
تستمر الإبادة الجماعية في قطاع غزة للعام الثاني على التوالي، وأصبح عدد أيام الحرب غير منتهٍ نظرًا لطول المدة، فاليوم عندنا بألف عام. الشهداء في جوف الأرض، ووجهها طوفان من الدماء لا يتوقف. أما أوجاعنا وآلامنا وحزننا، ففي كل مساء، وبعد صلاة العشاء وقراءة الأذكار وما تيسر من القرآن، نفيض بها إلى ربّ الأرض والسماء، فلا مجيب غيره، كما جاء في كتابه العزيز:
﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
وفي ظلمات الليل، وبعد بزوغ الفجر، تتجدّد ثقتنا بالله، ويولد الأمل من جديد، فنبدأ نهارًا طويلًا في ظل الحصار برًا وبحرًا وجوًا، ونواجه حياةً أشبه بالموت… بل هي الموت بعينه.
فبعد أن كنا في بيوتنا آمنين مطمئنين سعداء، أصبحت الخيمة البالية هي بيتنا وملاذنا، ضمن منظومة خيام تُسمّى بمراكز الإيواء، وتفتقر إلى أدنى درجات الخصوصية، خاصة للنساء، إذ إن الخيام متلاصقة. ورغم ذلك، لم نجد إلا مزيدًا من التكافل والترابط بين الأزواج؛ كلٌّ منهما حريص على أطفاله، وهدفهما النجاة كأسرة واحدة.
الرجل والمرأة، وحتى الأطفال، جميعهم يبحثون عن الحياة في نهارهم الطويل: المشاركة في تشييع الشهداء، زيارة الجرحى من العائلة، الوقوف لساعات طويلة في طوابير الغذاء والماء، انتظار النقطة الطبية، استلام الطرود الغذائية إن وُجدت، غسل الملابس، إعداد الحلوى، البحث عن شبكة إنترنت لتعليم الأطفال، ومتابعة مجموعات التعليم الإلكترونية. هكذا هي دوّامة الحياة في زمن الحرب؛ محاولة للنجاة والعيش حتى آخر رمق.
وأنا هنا لا أجمّل الصورة، ولا أكتب بنشوة، بل أكتب واقعًا مريرًا، أقف أمامه مندهشة: كيف للمرأة الفلسطينية، الزوجة القوية، الأم المثالية، أن تحوّل هذا الواقع المأساوي إلى حياة، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا؟
في المقابل، تنهار أمامها كل الاتفاقيات الدولية المزيّفة، التي لا تعترف بمصطلح الأسرة، ولا بالتكافل الاجتماعي، وتلعن العادات والتقاليد التي ترى فيها عائقًا أمام “حرية” المرأة. لكن الحقيقة غير ذلك؛ فحتى في أوج الحرب، لم تنكسر المرأة الغزيّة، بل وجدت في زوجها سندًا حقيقيًا، كما جاء في قول رسول الله ﷺ:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
ثم يأتي دور الأهل، والأقارب، والجيران، والمجتمع بأكمله، الذين يقفون كقبضة واحدة، يجسّدون المسؤولية المجتمعية بأعلى صورها.
هذا هو أصلنا، هكذا نشأنا، وهكذا أمرنا ديننا الإسلامي. نعيش كأسرة واحدة في كنف العائلة الممتدة، يسودها الحب والرحمة والاحترام، ونخاف الله في أزواجنا وأطفالنا. نحب العيش في جماعات، ولا نخشى الموت في جماعات. وهل هناك دليل أوضح من المجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق آلاف العائلات التي أُبيدت بالكامل في غزة؟
إلى أولئك الذين يرفعون لواء “سيداو” ويتّخذون الحرب منصة لقياس الصحة النفسية للمرأة، وتطبيق شعارات “التمكين” و”التنمية” و”السلام”… أقول:
الخيمة لم تكن انكسارًا، بل انتصارًا في معركة البقاء والكرامة.
والموروثات الاجتماعية الإيجابية كانت الحصن المنيع الذي حمى المرأة وأبقاها واقفة.
بل أكثر من ذلك، انتصرت المرأة الفلسطينية أمام المحتل ذاته.
فبشهادات من أُفرج عنهم، أخبرونا أن الاحتلال طلب من امرأة معتقلة في مركز تحقيق شمال غزة أن تخلع ملابسها أمام الجنود، لكنها رفضت، فأُعدمت ميدانيًا، وارتقت شهيدة الكرامة.
وفي مستشفى الإندونيسي، طلب جنود الاحتلال من نساء خلع الحجاب، فرفضن جميعًا، فتعرّضن للتعذيب.
ونجا الطفل فيصل الخالدي (5 سنوات) ليخبرنا أن الاحتلال قتل والدته الحامل في الشهر السابع أمام عينيه، ثم أعدم والده.
هذه هي المرأة الفلسطينية؛
تنتصر لنفسها ولدينها ولأسرتها، وتسقط أمامها كل الاتفاقيات التي تتزيّن بالكلمات اللامعة وتخفي السموم في جوفها.
وأختم باستشهادٍ بمقال الكاتبة النسوية السابقة صبا منصور، التي رأت في هذه الحرب دليلًا قاطعًا على فشل “سيداو” وملحقاتها. وصفت فيها شعارات مثل “السلام” و”التمكين” و”قبول الآخر” و”المساواة” بأنها مجرد أوهام، في ظل غياب فرسان العمل المؤسسي.
واعتبرت أن البيانات التي تساوي بين الضحية والجلاد، كأنها تُسوّي بين طفل احترق حيًا، ومستوطن أصيب بالذعر من صفارة إنذار. كما أشارت إلى مؤسسة ألغت منشورًا تضامنيًا مع نساء غزة بحجّة عدم التوازن السياسي، لتدرك أن هذا “العمل الإنساني” لم يكن سوى أداة ناعمة لتخدير العقول وتجميل الباطل.
قالت صبا:
“من لم ينحز لطفل محروق لا يحق له التحدث عن الحقوق، ومن يصمت فهو متواطئ، ومن يمنع التضامن بذريعة سياسية فهو فاقد للإنسانية.”
ثم اعتذرت لنفسها، ولكل امرأة فلسطينية في غزة، وقررت الاستقالة والتحرر من حضن العمل المؤسسي المزيّف.
هكذا عهدنا المرأة الفلسطينية، وجه نفتخر به في زمن السلم والاستقرار، وفي زمن الحرب والخيام والمجازر.
المجد ينحني أمامها، والتاريخ يخلّدها، فهي من تُنجب الأبطال، وتُرضعهم حب الجهاد.
فلسطين وطننا، والقدس موعدنا، وكما قال رسولنا الكريم ﷺ:
“خيرُ رِباطِكم عسقلان.”
نحن على العهد باقون، مرابطون، صابرون، صامدون.
سنخيط ثوب الفرح بخيوط الأمل واليقين،
فالأرض أرضنا، والقدس موعدنا… بإذن الله.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






