حدائق صغيرة على أبواب الخيام،غزة تزرع الحياة في وجه الجوع
حيث يخيّم الدمار فوق البيوت وتتحوّل الأزقة إلى خرائط رماد، تنبض الحياة من بين الشقوق على هيئة أوراق خضراء. ليست حدائق واسعة ولا بساتين مترامية، بل مجرد أوانٍ صغيرة، صناديق خشبية، وقطع بلاستيكية أعيد تدويرها لتحتضن بذورًا لا تعرف الاستسلام.
هناك، على أبواب الخيم وفي ساحات مراكز الإيواء، تصنع الأسر الغزية من زراعة النعناع والريحان والبندورة والفلفل الأخضر فعل مقاومة ناعماً، يواجه بجرأة قسوة الحصار والمجاعة.
إنها ليست زراعة للزينة ولا للترف، بل محاولة جادة للبقاء. ففي زمن المجاعة، حين انقطعت شحنات الخضروات الطازجة وغابت الأسواق عن أبسط مقومات الحياة، تحوّلت كل شتلة إلى ما يشبه كنزاً.
حبات بندورة حمراء قُطفت من صندوق خشبي صغير صارت بديلاً عمّا حُرم الناس من شرائه، وقرون الفلفل الأخضر التي نضجت على مدخل خيمةٍ في رفح غدت طوق نجاة لطبق طعام فقير.
حتى أوراق النعناع والريحان، التي اعتاد الغزيون إضافتها لكؤوس الشاي، أصبحت رمزاً للصمود اليومي، إذ يزرعها اللاجئون في علب بلاستيكية فارغة ليحافظوا على طقوس البساطة التي لم يستطع القصف محوها.
فالحدائق الصغيرة في غزة قصص حب مع الأرض رغم الجراح.
ذات مرة، روت سيدة خمسينية أنها جمعت بذور الخيار من ثمرة ناضجة وصلت إليها كمعونة نادرة، فزرعتها بجانب خيمتها، وحين ظهرت أولى الثمار، وزعتها على أطفالها كأنها عروس ترتدي فستاناً أخضر في عرسٍ وسط المأساة.
رجل آخر، فقد مزرعته الكبيرة في الشمال، لم يستسلم، بل بدأ يزرع البصل والجرجير في عبوات بلاستيكية أمام مدخل منزله المهدّم، وقال وهو يبتسم:
“لا نملك أرضاً، لكننا نملك الإرادة”.
هذه الزراعة البسيطة تحولت إلى شبكة حياة كاملة. في بعض مراكز الإيواء، رأيت رجالاً يتناوبون على سقاية شتلات الفلفل والبطاطس الصغيرة،لأنهم يدركون أن كل ثمرة تُقطف ستعوض شيئاً مما حُرموا منه على موائدهم.
طفل صغير كان يحمل ورقة خس زرعها بنفسه كأنها وسام، يرفعها مفتخراً وكأنه يقول للعالم: نحن نعيش رغم كل شيء.
ورغم أن هذه المزروعات لا تكفي لإشباع مدينة محاصرة،إلا أنها تكفي لإبقاء الروح متقدة.
إن منظر الخضرة على أبواب الخيام يبدّد شيئاً من سواد الدمار، ويمنح الناس شعوراً بأنهم ما زالوا قادرين على العطاء.
إنهم يحولون الحصار إلى فرصة للابتكار، والمجاعة إلى تحدٍّ، والجوع إلى قصة انتصار صغيرة تُروى مع كل ورقة خضراء تنبت.
هكذا، بينما يُحصي العالم خسائر غزة بالركام والجثث، يصر الغزيون على كتابة روايتهم باللون الأخضر.
رواية تقول إن البذرة الصغيرة في يد طفل قد تكون أقوى من جدران الحصار، وإن أوراق النعناع والريحان لا تُستخدم فقط لتطييب الطعام، بل لتطييب الروح الجريحة أيضاً.
غزة بهذا المعنى لا تزرع خضروات وحسب، بل تزرع الحياة نفسها، في مواجهة موت يتربص بها كل يوم في غزة.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






