نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

منصة إرتقاءمقالاتالمسجد الأقصىتُصادر خطواتي إليه وأُحرم من سجدة على ثراه

تُصادر خطواتي إليه وأُحرم من سجدة على ثراه

دمت يا أقصى لنا.. يا وصية الرسول

وعد ربي قد دنى.. والظلام لن يطول

قُدسنا لن تُضام.. قد قرعنا الطبول

وامتشقنا الحسام.. وعرفنا السبيل

لا تكاد هذه الأنشودة تفارق مخيلتي.. أجد نفسي أدندن بها دون أن أنتبه، بكلمات أخرى؛ لا يفارقني الأقصى، ولا المدينة المباركة.

أسبح دومًا في خيالات عزيزة على قلبي تربطني بأقصانا، لا أدري كيف أو لماذا.. ربما لأنه يسكنني، يسكن عقلي وقلبي.. أحمله داخلي كما يحمل الغريق آخر أنفاس له وهو يصارع لاستعادة الحياة إلى شرايينه، قد يكون نبضًا موجعًا لا ينفك ينتفض داخل صدري، نداء خفي يسري في دمي يحرك العقيدة الراسخة فيي.

أتجول بخيالي بين أروقته ومصلياته، وفوق مصاطبه، وتحت قبابه وأشجاره.. أتفقد تفاصيل كل مكان فيه.

في آخر مرة زرته فيها، وقفتُ أمام باب حطة، أنظر جنوبًا، كانت الصخرة تتجلى ببهاء أمامي، خفتُ.. انسابت دموعي رغمًا عني.. خالجتني أفكار، خشيت ألا أحظى بهذا النعيم مرة أخرى.. أن أفقده. وعندما غادرت بعد صلاة العشاء، نظرت للوراء.. أودع المصلى القبلي.. ثم أمليت نظري بقبة الصخرة تلمع مثل النجوم في جوف الليل.. لا أكاد أصدق أن هذا الأُلق يوجد حقًا على الأرض.

وفعلًا.. كانت هذه آخر زيارة لي عام 2022، كان المنع الأمني يتربص بي، ويحول بيني وبين أحب الأماكن إلى قلبي.

أستحضر بخيالي همس خطوات رسولنا الحبيب على ثراه، وفي ساحاته يتراءى لي ظل البراق يحلق في سمائه.. فيزداد شوقي.. ويصرخ قلبي: أيا قبلتنا الأولى، ومسرى نبينا الكريم.. متى اللقاء؟؟

مشتاقة أنا.. مشتاقة لسجدة على ثراك.. مشتاقة للثم رُباك…

عندما كانوا يعلنون في رمضان عن تسهيلات على دخول الفلسطينيين للصلاة في المسجد الأقصى، كنت أُعاجل الخطى إلى قلنديا، أملًا في اللقاء.. وما إن أضع بطاقة هويتي على آلة الفحص حتى ينتفض الجندي الجالس خالف الشباك قائلًا: إنتي برجع.. ممنوع من الدخول.

ويحضر جندي آخر مدجج، يقتادني ويعيدني من حيث أتيت تحت تهديد السلاح. فأتيقن أن تسهيلاتهم مجرد خداع، مجرد ادعاءات كاذبة.

يخطر في بالي حينها: يا إلهي، لا يفصلني عن أقصانا الحبيب سوى مسافة قصيرة، ورغم ذلك، أراني عاجزة عن بلوغه، أنشأوا حاجزًا، جدارًا ضخمًا، جعلوا منه سدًا منيعًا يحول بيننا وبين قبلتنا الأولى.. ماذا يجري بحق الإله؟ لماذا؟ لا أريد شيئًا سوى سجدات على ثراه المقدس، وأن أملأ عيني برؤية رحابه وأذني بشدو أذانه الحبيب.. فهل هذه جريمة أرتكبها بحق الإنسانية؟ ألا يحق لي ذلك؟

أقصانا نعرفه ويعرفنا.. نحبه ويحبنا.. حتى طيوره وأشجاره وحجارته.. تعرفنا وتألفنا.. نحن أبناؤه وأحباؤه، ورثنا حبه والحرص على سلامته وإسلاميته أبًا عن جد. فما تزال خطوات أجدادنا وآثارهم؛ عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وصلاح الدين الأيوبي، والناصر بن قلاوون، والإمام الغزالي، وأبو قدامة المقدسي… وغيرهم مطبوعة فيه، وتحمل آثارهم.. فكيف نُحرم منه؟

نُحرم، ويقتحمه غرباء ويدنسون ثراه بكل صلف ووقاحة، يشربون من مياهه الطاهرة، ويغنون في باحته ويرقصون وينبطحون أرضًا في طقوسهم التلمودية المبتدعة باستهتار تام بديننا وعقيدتنا وتاريخنا.. يمارسون فيه كل ما يستفزنا ويوجعنا، كل ذلك تحت حماية جنود مدججين بالسلاح.

فأي خبث هذا.. وأي جور؟

أصحاب المكان وأهله ممنوعون، مطرودون، أما السارقون المدنِّسون فكل شيء مباح مُيسر لهم؟؟

يمنعوننا من الوصول إليه.. وتأبى أرواحنا، وتبتكر السبل للوصال.

في ليالي كثيرة، أجدني أحلم به.. حتى كأن الحلم حقيقة، أهبط درجات باب العمود، دون أن أضطر للمرور عبر حواجز وتفتيش.. لم يعد ذلك موجودًا، أتقدم.. أعبر من بوابة دمشق، أسير في طريق الواد.. أملأ رئتي بعبق حارات البلدة القديمة، أدخل من باب الناظر (أو المجلس، أو الحبس)، أقول بسم الله وأدخل بقدمي اليمنى، تتعلق عيناي في السماء بحثًا عن قبة الصخرة البهية، وما ألبث وألمحها..  لا أستطيع أن أشيح نظري عنها.. أسير ببطء وأُشبع روحي برؤية تفاصيل المكان.. وعلى أول مصطبة تقابلني أسجد شكرًا لله.. وأتابع طريقي.. لا جنود ولا أسلحة ولا مستوطنين.. كل الأبواب مفتوحة.. يجلس أمامها بضعة أفراد من حرس المسجد الأقصى.. ينطلق صوت الأذان يملأ الآفاق.. أُصغي بكل مشاعري وحواسي..

حي على الفلاح.. استيقظ.. ويبقى صداها يتردد في روحي طوال اليوم..

ألم أقل لكم أن أرواحنا تبتكر الأساليب لرؤيته؟ فنحن شعب لا نعرف للاستسلام معنى، وكل خلية في اجسادنا تحمل حب الأقصى في شيفرتها الوراثية، ونورثها لأبنائنا وأحفادنا.

دمت يا أقصى لنا.. يا وصية الرسول

وعد ربي قد دنى.. والظلام لن يطول

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة