
غزة بين التجويع والتهجير القسري… هل سنحمل وزر خذلان أهلها يوم نقف بين يدي الله؟
إنه امتحان قاسٍ لضمائرنا، وامتحان لإنسانيتنا وإيماننا، ولا سيما لضمائر من يملكون القرار والقدرة على إنقاذ الأرواح، بينما يُترك أهل غزة في مواجهة الجوع والبرد والخوف والموت.
إن ما يجري في غزة هو امتحان لضمائرنا جميعًا، امتحان يكشف حقيقة مواقفنا، ويضعنا أمام سؤال لا نستطيع الهروب منه: هل فعلنا كل ما نستطيع لإنقاذ أهلها، أم أننا اكتفينا بمشاهدة معاناتهم، وتركناهم يواجهون مصيرهم وحدهم؟
لن نلوم أهل غزة إذا اضطروا إلى الخروج حفاظًا على أرواحهم وأرواح أطفالهم، ولكن علينا أن نلوم أنفسنا إن لم نبذل ما نستطيع لمساعدتهم على البقاء.
لن نعاتب أبًا حمل أبناءه بحثًا عن الأمان، ولن نعاتب أمًا اختارت الرحيل لتنقذ طفلها من الجوع والبرد. فليس من حقنا أن نطلب منهم البقاء والصمود ونحن ننام تحت الأغطية الدافئة، وفي بيوت آمنة، في حين ينام أطفالهم تحت أغطية مبللة بمياه المطر، وفي خيام تمزقها الرياح، وعلى أرض باردة لا ترحم أجسادهم الصغيرة.
وليس من حقنا أن نطالبهم بالتمسك بأرضهم ونحن نجلس إلى موائد الطعام، بينما يبحثون عن رغيف خبز يسد جوع أطفالهم، أو قطرة ماء نظيفة، أو دواء ينقذ مريضًا.
إن أقسى ما يمكن أن يواجهه الأب والأم ليس الجوع الذي ينهش أجسادهما، بل أن يريا الجوع ينهش أجساد أطفالهما وهما عاجزان عن إطعامهم.
فأي ألم أشد على قلب أب يسمع بكاء طفله جوعًا ولا يجد كسرة خبز يسد بها رمقه؟ وأي وجع أعظم على قلب أم تضم طفلها إلى صدرها، تحاول أن تسكّن جوعه بحنانها، وهي تعلم أن الحنان وحده لا يطعم جائعًا ولا ينقذ حياة؟
إن أصعب ما قد يُبتلى به الوالدان هو أن يقفا عاجزين أمام جوع أبنائهما، وأن يصبح الخوف من فقدانهم أقوى من الخوف على الوطن والأرض.
فكيف نطلب منهما البقاء والصمود ونحن لم نوفر لأطفالهما أسباب الحياة؟ وكيف نلومهما إن اختارا الرحيل بحثًا عن لقمة خبز تنقذ أبناءهما من الموت؟
إن من حق أهل غزة أن يبقوا في أرضهم أحياءً بكرامة، لا أن نطالبهم بالصمود ثم نتركهم وحدهم يواجهون الجوع والموت.
علينا أن نتعاون، وأن نشد أيدينا بعضها إلى بعض، وأن نبذل كل ما نستطيع حتى لا يضطر أهل غزة إلى مغادرة أرضهم لإنقاذ أرواح أطفالهم. علينا أن نسد جوعهم، وأن نساعد في توفير الغذاء والدواء والماء والمأوى،
وأن نسعى بكل ما نملك من وسائل إنسانية وسياسية ودبلوماسية لتمكينهم من البقاء.
لا تطلبوا منهم البقاء فقط، بل ساعدوهم على البقاء. لا تطلبوا منهم الصمود وأنتم لا توفرون لهم أسباب الحياة.
إن الحديث عن مشاريع التهجير القسري المرتبطة بسياسات نتنياهو وتصريحاته هو وحكومته يزيد من شعور المرارة والإذلال لدى كل من يملك قرارًا يستطيع به التأثير، ويرى أهل غزة يواجهون الجوع والتشريد دون أن تتحول المواقف إلى حماية حقيقية لهم.
إن المسؤولية المباشرة عن هذه السياسات تقع على من يقررها وينفذها، لكن ذلك لا يعفينا من سؤال أنفسنا: هل فعلنا كل ما نستطيع؟ وهل استخدم أصحاب القرار ما لديهم من نفوذ وإمكانات لمنع وصول أهل غزة إلى هذا الحد من المعاناة؟
إذا هُجّر أهل غزة منها تحت ضغط الجوع والخوف والموت، فلا ينبغي أن نحمّل أهلها وزر الرحيل، بل أن نسأل أنفسنا عن وزر الخذلان.
فهم لم يتركوا أرضهم لأنهم لا يحبونها، ولم يبحثوا عن الرحيل لأنهم فقدوا انتماءهم إليها، بل لأن الإنسان حين يرى أطفاله يواجهون الموت قد لا يجد أمامه إلا البحث عن طريق ينقذ حياتهم.
وإن حدث ذلك، فستكون تلك من أقسى نتائج الخذلان، حين نعجز عن مساعدة شعب على البقاء في أرضه، ثم نطالبه بألا يغادرها.
إن خروجهم اضطرارًا لا يسقط حقهم في أرضهم ولا حقهم في العودة إليها، لكنه يترك في ضمائرنا سؤالًا سيبقى يؤلمنا ما حَيينا.
هل سنحمل وزر خذلانهم؟ وهل سنُسأل يوم العرض على الله عما كان في استطاعتنا فعله ولم نفعله؟
نحن لا نملك أن نحكم على مصير أحد عند الله، فهو وحده يعلم النيات والقدرات، ولكننا نعلم أن المسؤولية عظيمة، وأن من امتلك القدرة على دفع الظلم ومساعدة المظلوم كانت أمانته أكبر.
فماذا سنقول يوم نقف بين يدي الله؟ ماذا سنقول عن طفل جاع، وأم بكت، وأب عجز عن إطعام أبنائه؟ وماذا سيقول من كان يملك القدرة على المساعدة ولم يبذل ما يستطيع؟
إننا لا نريد أن يأتي يوم ننظر فيه إلى غزة ونتذكر أننا كنا نطالب أهلها بالصمود، بينما لم نفعل ما يكفي لمساعدتهم على الحياة.
وما زال أمامنا وقت لنتدارك ما نستطيع، ونمد يد العون، ونطالب بحمايتهم ونعمل على إيصال الغذاء والدواء، ونساند كل جهد يحفظ لأهل غزة حقهم في الحياة والبقاء على أرضهم.
فغزة لا تحتاج إلى من يطلب من أهلها أن يموتوا صامدين، بل إلى من يساعدهم على أن يعيشوا صامدين.
وأخيرًا أقولها من قلب يتألم:
لن ألوم أبًا غادر غزة لينقذ أبناءه من الجوع، ولن ألوم أمًا حملت طفلها بحثًا عن الدفء والأمان، ولكنني أخشى أن نلوم أنفسنا يومًا لأننا تركناهم يصلون إلى هذا الاختيار القاسي.
إن رحلوا مضطرين، فلا تجعلوا الرحيل تهمة في حقهم، بل اجعلوه سؤالًا في ضمائرنا: لماذا لم نساعدهم على البقاء؟
اللهم إنا نسألك أن تحفظ أهل غزة، وأن تطعم جائعهم، وتؤوي مشرّدهم، وتدفئ أطفالهم، وتفرّج كربهم، وأن تعيننا على نصرتهم بما نستطيع.
فقد نستطيع أن نجد لأنفسنا الأعذار أمام الناس، ولكن ماذا سيكون جوابنا يوم نقف بين يدي الله، ويُسأل كل منا عما فعل فيما استطاع؟
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : ريم العتيبي
- 5 Views
- الكاتبة : د. زهرة خدرج
- 7 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 10 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 10 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 99 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 96 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 88 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 87 Views






