الأقصى في الوجدان الإسلامي..بين الصمت والمسؤولية: دور الشعوب في حماية المقدسات
الأقصى في الوجدان الإسلامي.. المسرى بين “عقيدة القلوب” و”خذلان الواقع”
بينما كنتُ أقلّب مقاطع “الريلز” عبر”الإنستغرام” المزدحم بصور الوجع، استوقفني مشهدٌ صامت لساحات المسجد الأقصى وهي تبدو موحشة، فارغة إلا من هديل الحمام وخطوات جنود الاحتلال الذين أحكموا حصارهم، ومنعوا المصلين من ممارسة أبسط حقوقهم في التعبد. وبجانبي، كانت طفلتي “مريم” تتابع المشهد بعينين تختصران دهشة البراءة ومرارة السؤال؛ سحبت طرف ثوبي وسألتني بحدسها الطفولي الذي صقلته الحرب: “يا ماما، هو مش المسجد للمسلمين كلهم؟ ليش بس إحنا بندافع عنه؟ وليش هو فاضي هيك؟”.
لم يكن سؤال مريم مجرد استفسار عابر، بل كان استنهاضاً فطرياً لكل من ولى وجهه شطر القبلة الأولى يوماً. فالأقصى في العقيدة الإسلامية ليس أثراً تاريخياً صامتاً، بل هو جزء من صلب الوجدان الإسلامي ومسرى النبي الكريم الذي ارتبطت قدسيته بآيات القرآن وسيرة النبوة. إن استحضار مكانته اليوم، في ظل منع الأذان والتضييق الممنهج، هو تذكيرٌ بأن الصمت العربي والإسلامي يمنح الاحتلال مساحةً أوسع للاستمرار في مخططات التهويد وطمس الهوية، وتكريس واقعٍ يحرم الأمة من رئتها الروحية.
في غزة، حيث نعيش الموت والدم ونصارع البقاء، ندرك أن المسجد الأقصى هو الميزان الذي يُقاس به نبض الأمة وكرامتها وإن منع المصلين من الوصول إلى رحابه ليس مجرد إجراء أمني، بل هو اعتداء مباشر على عقيدة أكثر من مليار مسلم. مريم التي رأت المسجد فارغاً خلف شاشة باردة، تذكرنا بأن حماية المقدسات ليست مهمة الفلسطيني المحاصر المرابط وحده، بل هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق الشعوب التي يجب أن تدرك أن بقاء الأقصى أسيراً هو بقاء لكرامة الأمة مذبوحةً على عتبات الصمت والمهانة.
أجبتُ صغيرتي وأنا أغالب دمعي أمام إصرارها على الفهم: “الأقصى يا حبيبتي هو القلب، والجسد الذي يفرط في قلبه لا يستحق الحياة”. إن كلمات مريم اليوم تتجاوز حدود البراءة لتصبح “إدانةً حية” لواقعٍ عربي وإسلامي أدمن المشاهدة واكتفى بالتنديد؛ واقعٍ خذل المسرى حين تركه نهباً للوحشة وجعل من مرابطيه دروعاً وحيدة في مواجهة التهويد.
لقد كشف تساؤل ابنتي عورات الخذلان الذي طال سباته ليعلن أن الصمت في حضرة تدنيس المقدسات ليس إلا خيانةً للوجدان؛ فالمسرى لم يعد يئن من قيد السجان بقدر ما يئن من هجران الإخوان. ومع ذلك، سيبقى يقيننا ثابتاً بأن الفجر الذي سيولد من رحم هذه الظلمات لن ينتظر إذناً من العاجزين بل سيصنعه هؤلاء الصغار الذين كبروا قبل أوانهم ليحملوا الأمانة التي تنصلت منها الجبال، ويستعيدوا للأمة كرامتها التي ذُبحت على عتبات هذا الخذلان المرير.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : م.إسلام العالول
- 11 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 12 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 06 Views
- الكاتبة : د. عبير الرنتيسي
- 08 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 88 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 83 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 79 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 77 Views






