إحاطة سياسية دورية
يتعرض قطاع غزة لضغط ميداني يُعدّ الأعنف منذ ستة أشهر، تجسّد في سلسلة من عمليات الاغتيال والقصف وتوسيع السيطرة البرية، ما فاقم الأوضاع الإنسانية المنهارة أصلاً. وقد أسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 31 فلسطينياً وعشرات الجرحى خلال الساعات الـ 72 الماضية.
ميدانياً، برز توسيع جيش الاحتلال لما يُعرف بـالخط الأصفر، عبر توغل دباباته صباح السبت في المناطق الشرقية لمدينتي دير البلح وخان يونس، مصحوباً بإطلاق النار على المنازل ونقل مكعبات إسمنتية صفراء لإعادة ترسيم مناطق السيطرة، ما أدى إلى موجة نزوح واسعة واعتُبر عملياً نسفاً كاملاً للاتفاق. بالتوازي، واصلت الدبابات إطلاق النار العشوائي على مشروع بيت لاهيا ومخيم جباليا، ما أجبر العائلات على النزوح مجدداً من مناطق كانت قد عادت إليها بعد الهدنة.
في موازاة ذلك، يعمل الكيان على ثلاث مسارات متكاملة لتفكيك بنية حكم حركة حماس، إذ يسعى اقتصادياً إلى خنق الموارد عبر منع دخول البضائع السيادية وتلك التي تدر عائدات ضريبية تُستخدم لدفع رواتب نحو 40 ألف موظف مدني و10 آلاف عنصر تنظيمي. وعلى المستوى الاجتماعي، تعتمد سياسة الاستهداف اليومي للمدنيين لإثارة الجدل الداخلي حول جدوى المقاومة، فيما يواصل أمنياً قصف مراكز الشرطة وملاحقة عناصرها بعد نجاحها في إعادة ضبط الأمن، في محاولة لإشاعة الفوضى وتمكين مجموعات العملاء.
في الضفة الغربية، استُشهد الطفل يوسف سامح اشتية (15 عاماً) برصاص قوات الاحتلال خلال اقتحام مدينة نابلس، فيما تواصلت عمليات الهدم والتجريف في طوباس وبيت جالا والولجة. وبلغ عدد الشهداء برصاص المستعمرين منذ بداية العام 16 شهيداً، تتراوح أعمارهم بين 13 و60 عاماً، في حين نُفذ 1,819 اعتداءً خلال شهر آذار وحده. كما صادقت سلطات الاحتلال على إقامة مدرسة دينية يهودية ضخمة في حي الشيخ جراح بالقدس، بالتزامن مع استمرار منع دخول منتجات الضفة الغربية إلى أسواق القدس لليوم 12 على التوالي.
سياسياً، أُجريت انتخابات الهيئات المحلية في 183 هيئة محلية في الضفة الغربية إلى جانب مدينة دير البلح، بمشاركة نحو مليون و30 ألف ناخب تنافسوا على 90 مجلساً بلدياً و93 مجلساً قروياً، وأسفرت النتائج عن فوز حركة فتح بمعظم المجالس في الضفة. وقد جرت الانتخابات بموجب مرسوم رئاسي اشترط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية، ما أضعف التنافس السياسي وأدى إلى مقاطعة فصائل غير منضوية تحت مظلتها. وفي دير البلح، بلغت نسبة المشاركة 23% دون حسم النتيجة لأي من القوائم الأربع المتنافسة. وأكد الرئيس محمود عباس أن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني ستُجرى خلال العام الجاري، فيما يستعد المؤتمر الثامن لحركة فتح للانعقاد في 14 مايو.
إنسانياً، تفاقمت الأوضاع في قطاع غزة مع تراجع عدد شاحنات المساعدات اليومية إلى نحو 60 شاحنة مقارنة بـ95 قبل اندلاع الحرب على إيران، واستمرار منع إدخال مواد البناء ومعدات إزالة الركام وبعض الإمدادات الطبية. وسجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 17 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والطفيليات بين النازحين منذ بداية العام. كما حذرت الأمم المتحدة من انتشار ذخائر غير منفجرة تسببت بمقتل أكثر من ألف شخص، نصفهم تقريباً من الأطفال، مع حاجة تقدر بنحو 541 مليون دولار لمعالجتها. ويعاني نحو 4 آلاف صياد من استهداف قوات الاحتلال لمراكبهم ومنعهم من الإبحار.
وعلى الصعيد المالي، ارتفع العجز التجاري الفلسطيني بنسبة 17% ليبلغ 551.1 مليون دولار، في ظل هيمنة شبه كاملة للسوق الإسرائيلية على الصادرات والواردات، مع رفض أوروبي تقديم مساعدات طارئة بقيمة 300 مليون يورو، واستمرار احتجاز أموال المقاصة.
تتزايد الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو من عدة اتجاهات، في ظل تآكل داخلي متسارع وإحباط داخل المؤسسة العسكرية نتيجة القيود الأمريكية، إلى جانب تصاعد الضغوط السياسية والقضائية.
وقد شهد المشهد السياسي تطوراً لافتاً بإعلان نفتالي بينيت ويائير لبيد توحيد حزبيهما في حزب جديد باسم بياحد بقيادة بينيت، في خطوة تهدف إلى إنهاء الانقسامات داخل معسكر الوسط وتوجيه الجهود نحو تحقيق نصر حاسم في الانتخابات المقبلة المقررة في أكتوبر 2026. وتعهد الحزب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، وسن قانون لتجنيد جميع الإسرائيليين بمن فيهم الحريديم، وتحديد مدة ولاية رئيس الحكومة بثماني سنوات، فيما رفض غادي آيزنكوت الانضمام إلى هذا التحالف.
بينما تعكس استطلاعات الرأي تحولات في المزاج السياسي، إذ حصلت أحزاب المعارضة على نحو 60 مقعداً مقابل 50 للائتلاف الحاكم، مع حصول حزب الليكود على 25 مقعداً وحزب بينيت على 21 مقعداً. وفي حال توحدت القوائم العربية، قد تحصل على 12 مقعداً مقابل تراجع الليكود إلى 24 مقعداً. كما أيدت غالبية تبلغ 60% تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، مقابل 23% فقط أيدوا لجنة حكومية يعينها نتياهو.
وعلى صعيد إدارة الحرب، تتواصل التوترات بين المستويين السياسي والعسكري، حيث أشارت مصادر عسكرية إلى أن تصريحات نتنياهو بشأن الرد على حزب الله تهدف إلى امتصاص الضغط الشعبي دون تغيير فعلي في التعليمات، في ظل استمرار تحكم إدارة دونالد ترامب بمسار العمليات. كما يسعى نتنياهو إلى البحث عن كبش فداء للتنصل من نتائج الحرب، مع ترجيحات بإمكانية تحميل جهاز الموساد مسؤولية الإخفاق في إيران والجيش في لبنان، في وقت وصفت فيه صحيفة معاريف المستوى السياسي بأنه مكبّل وغير قادر على إدارة الحرب.
ميدانياً، اعترف الجيش الإسرائيلي بإصابة 735 ضابطاً وجندياً منذ استئناف القتال في لبنان ، بينهم 44 إصابة خطيرة و100 متوسطة، إضافة إلى مقتل جندي متأثراً بجروحه. كما كُشف عن نقص استراتيجي في مخزون صواريخ منظومة حيتس الاعتراضية، نتيجة تأخر التمويل وعجز خطوط الإنتاج عن تعويض الاستنزاف.
قضائياً، ألزمت المحكمة العليا الحكومة بفرض عقوبات على المتهربين من الخدمة العسكرية، فيما توقفت جلسة النظر في تشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر بعد اقتحام القاعة وحدوث اضطرابات.
داخلياً، كشف بنيامين نتنياهو خضوعه لعلاج من ورم خبيث في البروستاتا بعد جراحة في ديسمبر 2024، بالتزامن مع تسجيل 10 حالات انتحار في صفوف الجيش منذ بداية العام، بينها 6 خلال الشهر الجاري. كما أُعلن عن جلب 240 مهاجراً هندياً من طائفة بني منشيه ضمن خطة لاستقدام 6 آلاف مهاجر بحلول 2030، ووقعت وزارة الأمن صفقة تسليح مع شركة إلبيت بأكثر من 600 مليون شيكل، إضافة إلى اتهام جنديين في سلاح الجو بالتجسس لصالح إيران.
| ثالثاً: الشأن العربي |
في لبنان، تواصلت الغارات الإسرائيلية على قرى الجنوب مع تفجير مربعات سكنية ومنشآت في بنت جبيل والخيام، بالتزامن مع استمرار تمركز قوات الاحتلال داخل مواقع لبنانية. حيث ارتفعت الحصيلة الإجمالية منذ بدء التصعيد إلى نحو 2,500 شهيد وأكثر من 7,700 جريح، مع تدمير أكثر من 20 ألف وحدة سكنية بشكل كامل وتضرر 35 ألف وحدة جزئياً، ونزوح أكثر من مليون شخص. كما أصدر جيش الاحتلال تحذيرات بإخلاء سبع بلدات شمالي نهر الليطاني، ما أدى إلى موجة نزوح واسعة باتجاه صيدا. في المقابل، رد حزب الله بهجمات استهدفت ناقلة جند وآليتين عسكريتين، إضافة إلى إسقاط طائرة مسيّرة، مؤكداً استمرار الرد على الخروقات ورفض التعويل على المسار الدبلوماسي.
فيمت أعلن دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة ثلاثة أسابيع إضافية عقب اجتماع في البيت الأبيض، معرباً عن تفاؤله بإمكانية تحقيق تقدم وان ملف السلام بين البلدين سهل.
وفي مصر، حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي من أن منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية في ظل محاولات لإعادة رسم خريطتها، مؤكداً رفض مصر القاطع لأي مساعٍ لتهجير الفلسطينيين تحت أي ظرف، وداعياً إلى التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. وفي هذا السياق، استضافت القاهرة مباحثات بين الفصائل الفلسطينية والمفوض الدولي نيكولاي ملادينوف، كما أجرى وزير الخارجية المصري لقاءات مع مسؤولين من البنك الدولي واليابان لدفع ملف التعافي المبكر وإعادة إعمار غزة.
في الأردن، شدد الملك عبد الله الثاني وولي عهده على ضرورة منع إسرائيل من فرض واقع جديد في الأراضي الفلسطينية. وفي المغرب، شهدت مراكش احتجاجات داعمة لفلسطين ورافضة للتطبيع.
في سوريا، أُلقي القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن التي وقعت عام 2013، بالتزامن مع توغلات إسرائيلية في ريف درعا الغربي واستمرار عمليات الهدم في القنيطرة.
خليجياً، كُشف عن نشر إسرائيل منظومة القبة الحديدية في الإمارات خلال الحرب على إيران، حيث اعترضت عشرات الصواريخ في ظل هجمات واسعة شملت مئات الصواريخ وآلاف الطائرات المسيّرة.
| رابعاً: الشأن الاقليمي |
بعد ستين يوماً من اندلاع الحرب، دخل الصراع مرحلة استنزاف متبادل، حيث يتواصل الحصار البحري والاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة الضغط على إيران، في مقابل استخدام طهران لمضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية تهدد مسارات التجارة العالمية.
في هذا السياق، أعلن الرئيس دونالد ترامب تمديداً خامساً لوقف إطلاق النار عقب فشل جولة مفاوضات إسلام آباد، بينما تواصل البحرية الأمريكية عمليات اعتراض السفن المرتبطة بإيران، حيث جرى تحويل مسار 37 سفينة منذ بدء الحصار، إضافة إلى اعتراض سفينة في بحر العرب يُشتبه بارتباطها بما يُعرف بـأسطول الظل، وتنفيذ عملية إنزال على سفينة أخرى تنقل نفطاً إيرانياً في المحيط الهندي، في تطور هو الثاني خلال ثلاثة أيام.
في المقابل، أعلنت إيران بدء فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، مهددة بأن أي خطأ جديد سيقابل برد يفوق التوقعات، فيما كشفت بيانات ملاحية أن 34 ناقلة مرتبطة بإيران تمكنت من عبور المضيق متجاوزة الحصار عبر تعطيل أنظمة التتبع وتغيير بيانات الشحن.
وفي تطور لافت، كشف تقرير إسرائيلي تفاصيل خطة سرية أعدها جهاز الموساد لإسقاط النظام الإيراني عبر ثلاث مراحل، شملت اغتيال قيادات عليا خلال أول 100 ساعة، ثم تحريك ميليشيات كردية من العراق باتجاه طهران، تليها إثارة احتجاجات داخلية عبر حملات نفوذ إعلامية واستخباراتية. إلا أن الخطة فشلت بعد أن علمت الاستخبارات الإيرانية بها، وأبلغت نظيرتها التركية، التي نقلت بدورها المعلومات إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، ما أدى إلى تدخل سياسي مع الولايات المتحدة حال دون تنفيذ العملية.
دبلوماسياً، قدمت إيران عبر وسطاء باكستانيين مقترحاً للولايات المتحدة يقضي بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب مقابل رفع الحصار وتأجيل الملف النووي، في محاولة لكسر الجمود القائم. وقد لعبت باكستان دوراً محورياً، حيث أعلن وزير خارجيتها أن بلاده لم تعد مجرد مسهّل بل أصبحت وسيطاً كامل الصلاحيات، فيما عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد للمرة الثانية خلال 24 ساعة قادماً من مسقط، حاملاً برنامجاً شاملاً لإنهاء الحرب، مع عودة جزء من الوفد إلى طهران للتشاور وذلك قبل توجهه إلى موسكو للقاء الروس.
وفي تركيا، أعلنت أكثر من 500 جمعية ومنظمة مجتمع مدني دعمها لمبادرة أسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزة، مؤكدة أن هذه المبادرة تمثل عشرات الملايين من الأتراك، وقدمت دعماً مالياً كبيراً يقدر بملايين الدولارات.
أحدثت الحرب صدمة جيوسياسية عالمية أعادت تشكيل أولويات الطاقة والدفاع، وعمّقت الانقسام بين القوى الكبرى، مهددة بنية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق، وصف مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول الأزمة بأنها أكبر من كل الأزمات الكبرى مجتمعة، مشيراً إلى أن العالم دخل مرحلة أصبح فيها مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه 50 كيلومتراً، نقطة تحكم حاسمة في الاقتصاد العالمي. وحذر من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة والغذاء، ما قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى الفقر والجوع، داعياً إلى إعادة صياغة استراتيجيات الطاقة وتسريع التحول نحو المصادر المتجددة والنووية.
على الصعيد الدولي، كشفت مصادر دبلوماسية عن انخراط صيني غير معلن في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة، حيث حذرت بكين من تداعيات استمرار الحصار على مضيق هرمز، وهددت بإعادة النظر في مصادر الطاقة، بما في ذلك النفط والغاز، إذا استمرت الأزمة. كما أبدت قلقاً خاصاً من مقترحات إيرانية تسمح بدخول شركات أمريكية إلى قطاع النفط الإيراني مقابل إعادة تأهيله وتطويره.
أوروبياً، شهدت القمة الأوروبية في نيقوسيا القبرصية تطورات مهمة، حيث أكد رئيس المجلس الأوروبي أن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل فوري أمر ضروري لاستقرار الاقتصاد العالمي، فيما أعلن المستشار الألماني استعداد الاتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات على إيران تدريجياً في حال التوصل إلى اتفاق شامل. ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إشراك دول المنطقة في أي ترتيبات تخص أمن لبنان، مع استعداد فرنسا لتنظيم مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني.
كما أقر البرلمان الهولندي خطوات تشمل تعليق جزء من اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، والمطالبة بوصول الصليب الأحمر إلى مراكز الاحتجاز، ودراسة استئناف الإجلاء الطبي للأطفال من غزة، في حين طُرحت في إيطاليا قيود على استيراد منتجات المستوطنات، مع توجه أوروبي أوسع نحو إجراءات عقابية.
اقتصادياً وإنسانياً، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن أكثر من 30 مليون شخص قد يعودون إلى الفقر نتيجة تداعيات الحرب، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع مخاطر انعدام الأمن الغذائي عالمياً.
انتهى
رابط تحميل هذا التقرير PDF
المصدر: بانوراما السياسة
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 02 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 71 Views






