نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

أحدث المقالات

نحن فريق عمل نسائي تطوعي، نذرنا وقتنا وجهدنا لننهض بكِ ومعكِ، ولنرتقي معاً في فضاء التوعية بالقضية الفلسطينية وتحرير الرواية.

للتواصل معنا :

إذا السماء انفطرت…

ربما غابت عنا صورة السماء بزرقتها، وغابت معها صورة السكينة والطمأنينة في الذاكرة الجمعية لأهل غزة. بدا واقع السماء في الإبادة مختلفًا، وكأنها نفسها تنشطر؛ أصواتٌ متلاحقة تخترق صمت الليل، ووميضٌ يسبق الارتطام، يعقبه دويٌّ يترك ندوبه في المكان والعقل والذاكرة. 

لم يعد النظر إلى الأعلى كما كان؛ صار فعلًا مخيفًا، سلوكًا مشوبًا بالحذر، تحكمه احتمالات الخطر أكثر مما تحكمه الرغبة في التأمل. يقول سكان المدينة إن السماء فقدت معناها القديم؛ فالدخان الكثيف الذي يملأ الأفق حجب زرقتها، ومنحها لونًا ثقيلًا يختلط فيه الغبار برائحة البارود. حتى الغيوم، حين تظهر، لا تبدو بريئة كما كانت، مخيفة وسط زحمة الخيام والنزوح واللجوء.

في هذا الواقع، تغيّرت علاقة الناس بالسماء. الأطفال الذين كانوا يتتبعون حركة الطيور، باتوا يربطون الأصوات القادمة من الأعلى بالخوف. والأمهات اللواتي كنّ ينتظرن الغيث، أصبحن ينتظرن هدوءًا مؤقتًا يمرّ دون أصواتٍ مفاجئة، دون ليلة بالعراء، ودون صاروخ ينهي أنفاسهم وميلادهم.

تسقط الصواريخ كأنها حجارةُ سجيلٍ ثقيلة، ومع كل مرورٍ يعلو الصوت في السماء، تتوقف الأنفاس للحظة. تنتظر المدينة: ما الهدف؟ من المستهدف؟ من سيبقى يعدّ أنفاسه تحت الركام؟ ومن سيمحى هو وعائلته من السجل المدني؟ ومن الناجي الوحيد!

تستدعي هذه الصورة إلى الذهن ما ورد في سورة الفيل عن “حجارةٍ من سجيل”، غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن ذلك العذاب، الذي ارتبط في الوعي الديني بعقابٍ إلهي للظالمين، يتحول في واقعنا إلى فعلٍ بشريٍّ يُصيب الأبرياء قبل غيرهم. وهنا تتكشف قسوة المقارنة: فبينما حملت “حجارة السجيل” معنى العدالة الإلهية، يحمل هذا “المطر الناري” معنى الظلم البشري والعربدة.

ومن باب المفارقة، يشعر الغزي حين ينظر إلى السماء أنها صارت شاهدةً على فقدانٍ جماعي، تُحصي الأرواح كما تُحصي النجوم. وفي هذا الشعور الغريب يولد نوع من الصمود: أن غزة، رغم دمارها، تحيا أيضًا في فضاءٍ أعلى، وأن استمرار النظر إلى السماء رغم كل شيء هو فعل مقاومة بحد ذاته، احتفاظ بالذاكرة، وربما بوعدٍ خفي أن الحياة الأبدية في الخلود والنعيم المقيم في الآخرة، وهي الأبقى.

وهكذا، يبقى الأمل معلقًا بين الأرض والسماء، أملاً ينبع من صمود الغزي في النظر إلى الأعلى، من استمرارهم في رؤية السماء رغم كل الخراب، لأن تعود سقفًا للسكينة ومساحةً للغيم والمطر، ومن القلوب التي لا تزال تحاول أن ترى الزرقة بين دخان القذائف. يومًا ما، ستعود السماء كما كانت، وستعود غزة إلى حياتها، حاملةً معها صورة للسكينة التي لم يُمحَ أثرها بالكامل.

وربما، حين ينقشع هذا كله يومًا، لن تكون عودة السماء مجرد عودة لونها بزرقتها، بل عودة معنى السماء؛ معنى أن ينظر الناس إلى الأعلى دون خوف، وأن يكون الاتساع وانشراح العين مرةً أخرى مساحةً للحياة وقدرة على البقاء، وشهادةً على أن الحياة أقوى من كل نارٍ وسقوط، وعلى صمود البشر أمام قسوة العالم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة