حين يسخّر القانون لخدمة القوة…تصبح العدالة انتقائية
أصوات، مخاوف، وقانون…
الجدل المحتدم حول تشريع الإعدام الجديد في إسرائيل
في مارس من عام 2026، سنَّ البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قانوناً يتجاوز في أبعاده مجرد إقرار عقوبة الإعدام؛ ليكون بمثابة كاشفٍ للعلاقة المتوترة والمضطربة بين سطوة القوة ومنطق القانون. هذا التشريع، الذي وُضع في إطار التدابير الأمنية، يمنح المحاكم صلاحية الحكم بالإعدام “شنقاً” على أفراد أدينوا بتنفيذ هجمات وُصفت بأنها “إرهابية” — وهو وصف لطالما أثار لغطاً واسعاً. وإن سرعة وتيرة التنفيذ، التي قد تصل إلى حد إعدام المحكوم خلال 90 يوماً مع ضيق مسالك الاستئناف، تثير هواجس فورية بشأن نزاهة المسار القانوني وحق الدفاع.
للوهلة الأولى، يبدو القانون محايداً في صياغته، لكن الحياد هنا ليس سوى وهمٍ وسراب؛
فالأنظمة القانونية لا تعمل في معزل عن الواقع، بل هي مرآة تعكس التراتبيات السياسية والاجتماعية المتجذرة في بيئتها. وفي هذه الحالة، لا يبدو التباين بين المحاكم المدنية والعسكرية مجرد مصادفة إجرائية، بل هو حجر زاوية في صلب النظام. فالفلسطينيون في الضفة الغربية يخضعون لمحاكم عسكرية عُرفت بمعدلات إدانة شاهقة وضمانات قانونية هزيلة، بينما يُحاكم المواطنون الإسرائيليون أمام محاكم مدنية تلتزم بمعايير حماية قانونية أصلب. والنتيجة هنا ليست مجرد اختلاف في الإجراءات، بل هي انشطارٌ في جوهر العدالة ذاتها.
هذه الازدواجية تخلق نظاماً قد تؤدي فيه ذات “الفعلة” إلى نتائج متناقضة تماماً، لا بناءً على طبيعة الجريمة، بل استناداً إلى “هوية” المتهم. إن إطاراً كهذا لا يكتفي بالمخاطرة بوقوع الظلم، بل يجعل من الظلم مؤسسةً قائمة بذاتها.
ومما يبعث على القلق بذات القدر، ذلك التعريف الفضفاض الذي تبناه القانون للجرائم التي تستهدف “وجود إسرائيل”. فهذه العبارة من الاتساع بحيث تسمح بالتأويل الانتقائي، لكنها في الممارسة العملية تضيق لتستثني فئات بعينها من سيف العقوبة. ويرى النقاد أنه من المستبعد تماماً تطبيق هذا القانون على متهمين يهود، مما يعزز القناعة بأن هذا التشريع قد صُمم بذهنية تستهدف فئة سكانية محددة.
وحينما تتحول التعريفات القانونية إلى أدوات للإقصاء، يتآكل الحد الفاصل بين “العدل” و”التمييز”.
ويأتي السياق العام ليزيد المشهد قتامة؛ فمع وجود أكثر من 9,500 معتقل فلسطيني حالياً —بينهم نساء وأطفال— يأتي إقرار عقوبة الإعدام ليؤجج وضعاً مشحوناً بالأصل. فتقارير نقص الغذاء، وغياب الرعاية الطبية الكافية، ومزاعم سوء المعاملة، تشير إلى أن المعضلة لا تكمن في “الحكم” فحسب، بل في “الظروف” التي تُدار فيها العدالة. في بيئة كهذه، تخاطر عقوبة الإعدام بتحويل التمييز الممنهج إلى نتائج نهائية لا يمكن الرجوع عنها.
وعلى الجانب الآخر، يدافع مؤيدو القانون، ومن بينهم وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير”، عن التشريع بوصفه رادعاً ضرورياً، وهو ما يتردد صداه لدى بعض عائلات الضحايا الذين يرون فيه وسيلة لمنع عنف مستقبلي. ومع ذلك، فإن “الردع” حين يُبنى على تطبيق غير متكافئ، يفقد شرعيته الأخلاقية والقانونية، ويتحول من وسيلة لمنع الضرر إلى أداة لاستعراض السلطة وفرض الهيمنة.
أما أصوات المعارضة داخل إسرائيل، ومنها “يائير غولان”، فقد حذرت من أن القانون قد يقوض في نهاية المطاف الأمن والمكانة الدولية لإسرائيل. كما أشار فقهاء القانون إلى احتمالية تدخل المحكمة العليا، مما يشير إلى أن شرعية القانون ليست محسومة حتى داخل النظام القانوني الإسرائيلي نفسه.
ودولياً، غلبت لغة الانتقاد على ردود الفعل؛ حيث وصفت منظمات حقوق الإنسان القانون بأنه “تمييزي”، محذرة من انتهاكه للأعراف القانونية الراسخة. وأعربت دول عدة عن قلقها، مشددة على أثره المحتمل على المبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.
لكن لعل الأثر الأعمق لهذا القانون لا يكمن في عدد المرات التي سيُنفذ فيها، بل فيما يمثله وما يرمز إليه. إن القوانين لا تشكل الأفعال فحسب، بل تصيغ التصورات الذهنية حول الإنصاف، والشرعية، والانتماء. فحتى لو ندر تنفيذه، فإن قانوناً يبدو وكأنه يستهدف جماعة دون أخرى يزرع الخوف، ويقوض الثقة، ويعمق الشقاق.
هنا تكمن المفارقة في قلب هذا الجدل: إن قانوناً وُضع لإحكام السيطرة، قد ينتهي به المطاف إلى زعزعة الأركان التي يسعى لحمايتها.
ذلك أنه عندما تصبح العدالة رهينة الهوية، فإنها تكفّ عن كونها عدالة.. وتصبح محض قوة: صِيغت في نصوص، وفُرضت بالسطوة، وبُررت بلغة القانون.
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






