للمرحلة الثانية لوقف حرب الإبادة في قطاع غزة
تنطلق هذه الورقة من مقاربة تحليلية تستند إلى توازنات القوة، وسياق الحرب، وحدود الممكن سياسيًا وميدانيًا، فالمرحلة الثانية لا تُعدّ امتدادًا اجرائياً للمرحلة الأولى، بل انتقالًا من التهدئة الإنسانية إلى التسوية السياسية–الأمنية، ومن المفترض أن تشمل وقفًا أشمل أو دائمًا لإطلاق النار، انسحابًا أو إعادة انتشار للقوات “الإسرائيلية”، إلى جانب ترتيبات الحكم والأمن في قطاع غزة، وفتح ملف الإعمار ورفع القيود على المعابر سواء للسفر أو دخول البضائع والمساعدات الإغاثية، وهنا يكمن التحول الدراماتيكي حيث تتحول المفاوضات من إدارة أزمة إلى تحديد مستقبل غزة السياسي والأمني.
الموقف “الإسرائيلي“:
تدخل “إسرائيل” المرحلة الثانية وقد فشلت في حسم المقاومة عسكريًا، والإخفاق في تحقيق الهدف المعلن للحرب بالقضاء على حركة حماس (على الرغم من إلحاقها خسائر بشرية وتنظيمية ومادية كبيرة بالحركة)، وقد حد هذا الاخفاق من قدرتها على فرض شروط استسلام، تزامن ذلك مع تفاقم أزماتها الداخلية، السياسية والإقتصادية، و تراجع في سرديتها ، واهتزاز صورتها القانونية والأخلاقية أمام العالم ، فضلا عن أزمتها الدبلوماسية المتزايدة، والملاحقة القانونية لمسؤوليها وجنودها لارتكابهم جرائم حرب أمام المحاكم الدولية، وتعرضها لضغط خارجي (أمريكي وأوروبي) لوقف عملياتها العسكرية في قطاع غزة، إلى جانب ذلك يظل الهاجس الأمني “الإسرائيلي”، المرتبط باحتمالية تكرار سيناريو السابع من أكتوبر عاملاً ضاغطا في حساباتها الإستراتيجية.
لذلك تسعى “إسرائيل” فرض وقف نار طويل الأمد دون إنهاء الحرب سياسيًا، مع التركيز على تحجيم قدرات المقاومة و نزع سلاحها، وإقصاء حركة حماس عن إدارة الحكم في غزة، وإزاحتها من المشهد السياسي الفلسطيني.
الموقف الفلسطيني ( موقف المقاومة):
وفي المقابل، تدخل المقاومة المرحلة الثانية من موقع صمود لا هزيمة، وتسعى إلى تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، و انسحاب “إسرائيلي” من قطاع غزة ، و فتح مسار إعمار دون وصاية سياسية أو أمنية، والإصرار على التمسك بسلاحها الشرعي وفق القانون الدولي، بوصفه جوهر الردع، ونزعه يمنح الاحتلال إنجازاً سياسياً عجز عن تحقيقه ميدانياً، كما ترفض المقاومة أي صيغة تعيد الاحتلال بأشكال ” أمنية غير مباشر”، وأن تمنحه في المسار السياسي ما فشل من فرضه بالقوة العسكرية المفرطة، في الوقت التي تبدي فيه انفتاحاً واضحاً لتسليم إدارة قطاع غزة إلى اللجنة التوافقية من التكنوقراط، بهدف التخفيف عن كاهل المواطنين في قطاع غزة ، وضمان وصول الخدمات الأساسية التي تكفل لهم حياة كريمة، بعد ما يقارب عامين ونصف من حرب إبادة شاملة دمرت مقومات اللحياة كافة.
موقف الوسطاء (مصر، قطر، الولايات المتحدة):
تعكس توجهات الوسطاء المنخرطين في المرحلة الثانية ، التباين و الاختلاف بين مصالحهم وأولوياتهم، فمصر تركز علة تحقيق الاستقرار الأمني ومنع الانفجار الحدودي، و قطر تضغط باتجاه مكاسب إنسانية وسياسية لقطاع غزة، مما يعكس صورة إيجابية لدورها أمام الجمهور العربي والإسلامي، أما الولايات المتحدة تدير التوازن بين إنقاذ “إسرائيل” من المأزق ومنع توسع الصراع وخاصة في ظل تصاعد التوتر الإقليمي مع إيران وحلفائها، وينتج عن هذا التناقض بين الوسطاء حالة من الهشاشة تجعل المرحلة الثانية معرضة للانهيار في أي لحظة.
السيناريوهات المحتملة:
- سيناريو الاتفاق الجزئي: يقوم على وقف إطلاق نار موسّع لكن غير معلن، و تهدئة طويلة مقابل إعادة الإعمار و انسحاب “إسرائيلي” جزئي أو تدريجي، و إدارة مدنية من التكنوقراط تتبع مجلس “السلام الدولي” الذي شكله الرئيس الأمريكي ترامب لفرض الوصاية السياسية على اللجنة الإدارية لقطاع غزة، وبرأيي هذا السيناريو المرجح.
- سيناريو التعطيل والانفجار: يتمثل في فشل التفاهمات بسبب شروط “إسرائيلية” تعجيزية، كفرض نزع سلاح المقاومة، ما يفتح الباب واسعاً أمام عودة التصعيد بشكل متقطع كلما تجدد بنك الأهداف، و تحميل المقاومة مسؤولية تعثر المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
- سيناريو التحول السياسي (الأضعف حاليًا): وقف دائم للحرب، واعتماد مسار سياسي أوسع مرتبط بالقضية الفلسطينية ويستند لحل الدولتين، أو أي صيغة سياسية يتوافق عليها دولياً.
الخاتمة:
تجسد المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بشكل واضح صراع الإرادات السياسية المتعارضة، حيث يحد ميزان الردع الذي فرضته المقاومة ” اسرائيل من الإملاء الكامل لشروطها، خاصة بعد أن وفر لها النظام الدولي القائم على إزدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، هامشاً زمنياً واسعاً، لإستعادة جزء من قدراتها الردعية التي فقدتها في صباح السابع من أكتوبر2023م.
لذلك فإن لم تنجح ترتيبات هذه المرحلة في معالجة جذور الصراع، ولم تعامل مع غزة كفاعل سياسي في سياق قضية تحرر وطني، وليس ملفاً إنسانياً، سيبقى هذا الاتفاق اتفاقا هشاً معرضاً للانهيار في كل لحظة.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






