ليلة اقتحام مستشفى القدس: الموت يطوق آخر حصون الحياة
حرمة المستشفيات في زمن الاحتلال ليست سوى وهم، في قلب حيّ تل الهوا وسط مدينة غزة، كانت مستشفى القدس آخر ما تبقى من ملاذ للمدنيين.
أربعون يوماً من الحصار حولته من صرح طبي إلى مخيم يضج بالنازحين والجرحى، لكن ليلة 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 كانت مختلفة؛ كانت لحظة اختناق المدينة كلها في ردهاته.
مع غروب الشمس، أخذت الدبابات الإسرائيلية تزحف نحو المستشفى ببطء محسوب، فيما كانت السماء تمطر قذائف على العمارات المحيطة، تمهيداً لاقتحام بدا وشيكاً، الممرات الضيقة كانت مكتظة بآلاف الأجساد: جرحى ينتظرون عملية لا تأتي، أمهات لففن أطفالهن بالبطانيات لتخفيف ارتجافهم خوفاً، رجال يحاولون التماسك فيما الرعب ينهش قلوبهم.
في الطابق الثالث حيث كنت، اختلطت أصوات الأنين بالدعاء انقطعت المياه منذ أيام، نفدت المؤن، وانطفأت الكهرباء إلا من بضع لمبات تغذيها بطاريات تحتضر. الأطباء واصلوا عملهم في الظلام، يجرون عمليات على ضوء هواتف محمولة، وأصوات التكبير تتعالى كلما اهتز المبنى بانفجار جديد.
مع اقتراب أذان المغرب يومها، توقفت دبابة إسرائيلية في الساحة الأمامية فوهتها المعدنية السوداء ثبّتت على بوابة الطوارئ ثوانٍ ثقيلة مرّت وكأنها دهور، قبل أن يطلق أحد المقاومين المرابطين في المنطقة بالخارج قذيفة أصابت الدبابة وأجبرتها على التراجع.
صرخة ارتياح خافتة انطلقت من الحاضرين، لكن بطل تلك اللحظة سقط شهيداً، تاركاً خلفه آلاف الأرواح التي أنقذها وإرثاً من التضحية سيبقى حيَّا.
لكن الموت لم يبتعد كثيراً عاد التهديد مع الفجر، وتوالت الإنذارات عبر طائرات المسيرة تطلق أصوات ورصاصات عند أي شباك مفتوح أمامها.
عند الظهيرة، بعد تهديد طاقم الطبي لليوم الثامن ولم يستجيبوا أبلغ الصليب الأحمر جميع من في المستشفى أن قوات الاحتلال تعتزم اقتحامه خلال ساعات ، وأنه يجب الإخلاء الفوري عبر ممر “آمن” إلى الجنوب، وإلا فالمصير معروف.
كان الخروج كرحلة في قلب الكارثة، أقدام تتعثر في ركام العمارات المجاورة للمستشفى، سيارات سُحقت تحت جنازير الدبابات، أبنية راقية صارت هياكل محترقة. كان المشي إلى الجنوب أشبه بالمرور بين فصول متتابعة من الموت.
بعد ساعات قليلة من الإخلاء، اجتاحت القوات المستشفى، وأضرمت النار في كل طابق. احترقت الأسرة، الأجهزة الطبية، وأي أثر لحياة كانت هناك.
لم يكن ذلك تدميراً لمكان فحسب، بل إعلاناً صريحاً أن حرمة المستشفيات في زمن الاحتلال ليست سوى وهم.
في تلك الليلة، لم تُقصف الجدران فقط، بل استُهدف المعنى نفسه أن يكون للإنسان حق في الحياة، وأن تبقى للمكان حرمة و للطب رسالة، خرجنا من مستشفى القدس بأجساد منهكة، لكن بذاكرة لن تمحوها النار، وبيوم سيظل شاهداً على جريمة مكتملة الأركان.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views






