أصحاب الصراط السوي
حين يبدو اليقين معجزة البقاء في غزة
ليست الحياة في غزة اليوم مجرد محاولة للنجاة، بل هي مشيٌ متزن على نصل سكين حاد؛ خيط رفيع يفصل بين الوجود والعدم، يتطلّب عبوره قلباً محشواً بيقين لا يتزعزع.
في هذه البقعة من العالم، صار اليوم العادي بحد ذاته عملاً بطولياً، وصارت التفاصيل التي يغفل عنها العالم أفعال مقاومة صامتة، تُمارس بيقين يرفض الاستسلام أمام قهر الحرب.
هنا لم تعد الطوابير أمام “تكيّات” الطعام مشهداً استثنائياً، بل جزءاً من إيقاع الحياة؛ آلاف العائلات التي فقدت مصادر دخلها باتت تعتمد على وجبة واحدة يومياً، في واقعٍ يقتصد في كل شيء إلا الوجع.
ومع ذلك، لا يبدو المشهد استسلاماً بقدر ما هو صبر كثيف، إذ تجد سيدة خمسينية تجلس أمام خيمتها، تنهمك في رتق ثوب مهترئ بإبرة وخيط؛ تقول لمن حولها إن هذا الثوب “يجب أن يصمد أكثر”، وكأنها لا تخيط قماشاً بقدر ما ترمم ما تبقى من تماسك حياتها. تبتسم لجارتها التي تشعل ناراً بقطع الكرتون والبلاستيك، وتتبادلان حديثاً عن “طبخة اليوم” التي غالباً لن تكتمل، لكن الحديث نفسه يصبح شكلاً من أشكال الاكتفاء.
وفي زاوية أخرى، يتحول نقص المياه – الذي تعاني منه الغالبية مع تضرر البنية التحتية جراء آلة القتل والتدمير الإسرائيلية- إلى اختبار يومي. طفل يحمل “جالون” ماء أثقل من جسده، يسير به بين الركام لمسافات طويلة، كما يفعل كثير من الأطفال اليوم. لا يبدو عليه الانكسار؛ يسرّع خطاه ليلحق بأقرانه، محولاً المشقة إلى سباق، وفي عينيه شيء من يقين بسيط بأن الماء سيصل، وأن الغد، مهما تأخر، لا بد أن يأتي.
اليقين ذاته يدفع بائعاً لنصب “بسطة” على أنقاض سوق مدمّر، ينفض الغبار عن بضاعته ليعيد نبض الحياة للزقاق، مؤمناً بأن الرزق “يحتاج سعياً لا انكساراً”. هذه المشهدية اليومية هي جوهر الثبات في غزة؛ حيث يواصل المعلم شرح درسه لتلاميذ يجلسون على الأرض بعد أن دُمّرت مدارسهم، وتصر عروس على تعليق وردة بلاستيكية على جدار خيمتها، في محاكاة لفرح مؤجل؛ هكذا لا يتجاهل الناس الموت، بل يزاحمونه بالحياة.
إن هذا الثبات ليس مجرد قوة بشرية، بل هو لطف خفي يسير به الناس في أدق تفاصيلهم، ففي غزة، لا يُقاس اليقين بالطمأنينة، بل بالقدرة على الاستمرار؛ أن تستيقظ، وتبحث عن ماء، وتقتسم خبزاً قليلاً، وتبتسم، كل ذلك فعل بقاء مكتمل.
هنا، الحياة ليست مجرد معيشة، بل عبور دائم على خيط اليقين، ومع كل خطوة، يختار الفلسطيني أن يبقى، محمياً بلطف الله وعِناد الحياة.
الوسوم
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 03 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 05 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 11 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 72 Views







Comments (1)
احمد 2026-04-22
محميا بلطف الله ليتجدد الامل عسى يكون بهذا الامل راحه لنفوس