الخذلان الشعبي في مواجهة قانون الإعدام “الإسرائيلي”
في الثلاثين من مارس 2026، أقرّ الكنيست “الإسرائيلي” قانونًا عُنصريًا، يُجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، ممن ثبت فعلهم المقاوم بحق المحتلين، ورغم أن الإقرار جاء بعد ثلاث قراءات، إلا أنه استُبق بسنوات من الدفع والتحريض على يد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وحزبه “عوتسما يهوديت”، وبممارسات مباشرة بحق الأسرى والتنكيل بهم وحرمانهم من أساسيات الحياة ومقوماتها.
بيد أن ما يستحق الوقوف عنده ليس القانون في ذاته، وهو عظيم مزلزلٌ في إقراره وإنفاذه، بل ما لم يحدث بعده، إذ لم يُحرك القانون العنصري غضبة الشارع الفلسطيني، ولم يدفعه للخروج والنفير نصرةً للأسرى في مواجهة حبال الموت المعلقة أمامهم، أو الاشتباك مع المحتل، أو ممارسة فعلٍ حقيقي يتجاوز المظاهرات المقتصرة على الأهالي والأمهات، والمنزوية في أقاصي مقرات الصليب الأحمر أو على هامش مراكز المدن، أما الصخب والنفير فبقي محصورًا بمنصات التواصل الاجتماعية وتريندات والبيانات الفصائلية والمؤسساتية فقط.
هذا الخذلان الصادم والبرود الأقرب للموت، يجعل من إنتاج قانون الإعدام فعلًا متواطئًا، بين المحتل الذي أخرجه في توقيتٍ وبيئة صُنعت على مدى عقودٍ لامتصاص القانون وفصل آثاره عن الوعي الفلسطيني العام، وبين الجمهور الفلسطيني، الذي استسلم لمصير أبنائه، كما استسلم لإبادة جماعية في غزة قبلها، ولإغلاق المسجد الأقصى وتهويده.
ولا يتأتى ذلك من فراغ، بل ينحسر عن تفكيكٍ ممنهج للحاضنة الاجتماعية للمقاومة وقضاياها في الضفة الغربية، أفرزت خذلانًا انتقل من قضيةٍ إلى أخرى، الأسرى والشهداء والمقاومة والأقصى، وحتى حق العودة والمخيمات، دون أن تبدو في الأفق حتى الآن بوادر يقظة تعيد لملمة الوعي ورص الهمم وتسعير الأرض تحت أقدام المحتلين.
فكيف بدأت خطوات الخذلان، وإلى أين انتهت، وهل هناك من أفق؟
الأسرى ظاهرة عابرة في المجتمع الفلسطيني
تشير أحدث إحصاءات مؤسسات الأسرى إلى وجود ما يزيد على 9600 في سجون الاحتلال حتى مطلع أبريل 2026، بينهم نحو 90 أسيرة فلسطينية، وأكثر من 350 طفلًا، و3532 معتقلًا إداريًا دون محاكمة ولا اتهام، في تصاعدٍ لأعدادهم إثر حملات الاعتقال الكثيفة في الضفة الغربية، التي طالت 23 ألفًا، من بينهم 1800 طفل، و700 امرأة، و240 صحفيًا.
من ضمن هذه الأرقام هناك 118 من أسرى المؤبدات، ثمانية منهم معتقلون منذ ما قبل اتفاقية أوسلو، أما الأسرى الشهداء فقد وصلت أعدادهم منذ عام 1967 نحو 326 أسيرا، بينهم 89 منذ أكتوبر 2023، وفق بيانات مؤسسات الأسرى، يحتجز الاحتلال جثامين 97 أسيرًا.
لا تكشف هذه الأرقام عن الحجم الضخم للأسرى ولا عن هول حالات الاعتقال فحسب، بل تعبر عن قاعدة اجتماعية عريضة مرتبطة بالأسرى والمعتقلات، من خلال عائلاتهم ومجتمعهم ودوائرهم الاجتماعية والعائلية، إذ لا تكاد تخلو عائلة فلسطينية من أن يكون الاعتقال قد مسّ أحد أبنائها أو أقاربها، ومع ذلك، لم تتحوّل هذه القاعدة الهائلة إلى قوة ضغط فاعلة حين صدر قانون الإعدام. فأين يكمن الخلل؟
تفكيك وتجفيف وتجاهل
لم يكن ملف الأسرى يومًا شأنًا محصورًا خلف الأسوار؛ فقد شكّلت الحركة الأسيرة تاريخيًا امتدادًا عضويًا للشارع. الإضرابات عن الطعام كانت تتحوّل بانتظام إلى موجات تضامن تجتاح المدن. ففي عام 2012، خلال الإضراب المفتوح المعروف بإضراب “الحرية والكرامة”، والذي استمر 28 يوماً بقيادة الحركة الأسيرة لتحسين ظروف السجون، شهدت الضفة الغربية عشرات الاعتصامات اليومية في مراكز المدن، وبلغت ذروة المشاركة الشعبية آلاف المواطنين في فعاليات متزامنة.
غير أن هذا الزخم لم يُترك ليبقى. فحين استطاع الأسير خضر عدنان، عبر إضراباته الفردية المتعاقبة، أن يحوّل جسده أداةً للضغط السياسي ويستقطب تضامنًا شعبيًا واسعًا، جاءت حملات الاعتقال، من قبل الاحتلال والسلطة، لتضرب بدقة جراحية، فلم تستهدف الأفراد وحدهم، بل استهدفت البيئة الحاضنة بأكملها، تلك التي كانت تُحول المبادرة الفردية إلى ظاهرة جماعية.
تعاظم ذلك خلال الإضراب الشامل الذي بدأ في 17 أبريل 2017، واستمر نحو 40 يوماً لتحسين ظروف الاعتقال، حين رفضت قيادة السلطة الفلسطينية التعاطي مع قضية الأسرى المضربين، وصدت عن لقاء وفدٍ من أهالي الأسرى والمتضامنين معهم توجه إلى مقر المقاطعة في رام الله، بحجة انشغال الرئاسية بزيارة الرئيس الألماني للمقاطعة حينها، وتجاهلت اللجنة المركزية والمجلس الثوري إضراب الأسرى، حتى يومه الخامس والعشرين، حين دعت أسرى فتح للمشاركة “الأوسع” في الإضراب.
ثم قطعت السلطة الفلسطينية رواتب 277 أسيرًا ومحررًا من الضفة الغربية وقطاع غزة، أكثرهم من محرّري صفقة تبادل الأسرى بالجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، ازداد عددهم بضع مئات عام 2018، كما قلصت مهام هيئة الأسرى ونادي الأسير عبر إنهاء خدمات 38 محاميًا فلسطينيًا، كانوا يتولّون مهمّة تمثيل الأسرى والدفاع عنهم أمام المحاكم الإسرائيلية، وما بين 2019 و 2020، قلصت السلطة خدمات نادي الأسير الفلسطيني وحولت جزءًا مهمًا منها إلى هيئة الأسرى، وضاعفت أعداد الأسرى المقطوعة رواتبهم، وحولت آلية الدفع للأعداد المتبقية من البنوك الإسرائيلية إلى البريد، وذلك إثر رفض البنوك الفلسطينية خوفًا من التهديدات الإسرائيلية.
بالتوازي مع هذا النمط الذي اندمج مع تهديدٍ ووعيد للمعتصمين الرافضين لسياسات السلطة والاحتلال، بدأت كثافة الاعتصامات الأسبوعية أمام مقرّات الصليب الأحمر في رام الله ونابلس والخليل تتراجع تدريجيًا إلى العشرات، خاصة مع تحول إضرابات الأسرى إلى النمط الفردي، وتراجع قدرة الأسرى على تحقيق إنجازات محدودة، بالتوازي مع تفكيكٍ ممنهجٍ في السجون، وفصلٍ للأقسام، وانتهاج الاحتلال لسياسة إعادة الاعتقال، بالتوازي مع الضغط الأمني والاقتصادي الذي تمارسه السلطة بحق الأسرى وعائلاتهم.
وهكذا لم يكن فتور الحاضنة الاجتماعية عفويًا، بل ارتبط بسياسة مدروسة للتفرقة والاحتواء، هدفها الحقيقي إجهاض قدرة أي حراك للأسرى على التحوّل إلى ضغط سياسي فعلي، أو استقطاب التضامن وتوليد الزخم الشعبي.
ومنذ 2018 حتى اليوم، أصبحت اعتصامات الأهالي والمتضامنين، مصدر جذب وملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية والاحتلال، واعتُقل في خضم ذلك العديد من وجوه الإضرابات، وتعرض بعضهم للاعتداء، مثل الأسرى خضر عدنان، ومصعب قوزح وأحمد أبو غضيب.
بل وشمل ذلك إقدام الأجهزة على اعتقال أسرى محررين خاضوا الإضراب الفردي والتعذيب والتجويع، بمجرد الإفراج عنهم، وقمع مسيرات تضامن مع أسرى الإضراب الفردي، والاعتداء على أهاليهم وأمهاتهم بالضرب والتنكيل.
ليكتمل المسار في فبراير 2025، حين أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا بإلغاء المواد القانونية المتعلقة بمخصصات الأسرى والشهداء والجرحى كليًا، ونقل مهمة صرف المخصصات إلى “مؤسسة التمكين الاقتصادي” التي باتت تتعامل مع المستحقين وفق معايير البحث الاجتماعي لا وفق الاستحقاق النضالي.
هذا التحوّل لم يكن ماليًا وحسب؛ بل أعاد تعريف الأسير بوصفه متلقّيًا للمساعدة الاجتماعية، منتزعًا صورته كفاعل نضالي في الوعي الجمعي، واضعًا إياه، مع فئة الشهداء والجرحى في موضع الضعيف بدلًا من المضحي، والمحتاج بدلًا من المقاوم الصامد.
في عمق هذه التحوّلات كلها، يقع التنسيق الأمني بوصفه العامل البنيوي الأشمل، فقد أسهم هذا التنسيق، مباشرةً أو بصورة غير مباشرة، في تدمير الشبكات التنظيمية التي كانت تربط الحركة الأسيرة بالشارع، سواء عبر الملاحقة الأمنية، أو التضييق على الأنشطة الجماهيرية، أو إغلاق جمعيات ومؤسسات كانت تضطلع بمهمة التوثيق والتعبئة والدعم، بل بلغ الأمر حدّ اعتقال نساء شاركن في فعاليات تضامنية. وكان طبيعيًا أن ينتج عن ذلك مناخ من التردد والخشية ما يُثبّط أي انخراط في هذا الملف، ومع تفكّك هذه الشبكات، تآكلت قدرة المجتمع على التعبئة السريعة؛ فأصبح تحويل أي حدث داخل السجون، من إضراب أو استشهاد، إلى موجة حراك واسعة أمرًا أشد عُسرًا مما كان في أزمنة مضت.
اليوم، وحين تُقرأ هذه المعطيات مجتمعةً، يتّضح أن الخذلان البارد الذي وصل له الشارع الفلسطيني في مواجهة قانون إعدام الأسرى، لم يكن تراجعًا عابرًا ولا هزّة ظرفية، بل كان عملية إعادة تشكيل ممنهجة وعميقة للبيئة التي كانت تمنح ملف الأسرى قوّته وزخمه، لذا كانت النتيجة إيان صدور قانون الإعدام؛ لا حشود، ولا اعتصامات كبرى، ولا ضغط شعبي قادر على التأثير.
بالمحصلة، الطريق إلى قانون إعدام الأسرى لم يُرصَف في الكنيست وحده، رُصِف أيضًا في رام الله، قرارًا تلو قرار، وتنكيلًا يتلوه قمعٌ وتنكيل، وميزانيةً مقطوعة بعد أخرى، وناشطًا مُلاحَقًا بعد آخر، حتى بات الأسير وحيدًا في سجنه، أمام أشرس قانون يستهدف صموده ووجوده، وعائلته وحيدة إثر غياب الظهير الشعبي الذي كان يمنحها عزم الاحتضان واستمرارية العطاء، وتقدير الكُلفة والتضحية.
رغم قتامة المشهد، فإن اختزال المستقبل في صورة خذلان قد يكون تبسيطًا مخلًا بقدر ما هو قاسٍ؛ إذ لا تزال في البنية الاجتماعية الفلسطينية عناصر كامنة من التضامن، تظهر على شكل مبادرات متفرقة، أو تفاعل موسمي، أو حراك رقمي قابل للتحول إذا توفرت له قيادة وتنظيم ومساحة فعل.
التحدي الذي يواجه هذه العناصر الآن، لا يكمن فقط في تشخيص مفاعلات تفكيكه، بل في فهم شروط استعادة فاعليته، والتي تبدأ بإعادة ربط ملف الأسرى بحياة الناس اليومية، وبناء أدوات ضغط تتجاوز الشكل التقليدي للاحتجاج، واستعادة الثقة بين الشارع والأطر المنظمة.
بقي أن نقول؛ ربما لم يعد التضامن المجتمعي الفلسطيني كما كان إبان الانتفاضتين، لكن القول بموته تمامًا يغفل حقيقة أن المجتمعات التي تمر بعمليات إنهاك طويلة قد تبدو صامتة، دون أن يعني ذلك أنها فقدت القدرة على الانفجار، وإعادة التشكل في لحظةٍ تتغير فيها المعادلات إلى غير رجعة.
مقالات مشابهة
- الكاتبة : سجود عوايص
- 02 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 04 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : ايمان الشلبي
- 10 Views
- الكاتبة : أ. فايزة شكندالي
- 83 Views
- الكاتبة : تسنيم محمد
- 76 Views
- الكاتبة : اسراء العرعير
- 73 Views
- الكاتبة : منصة إرتقاء
- 71 Views






